مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ (مَنْ) ، وَجَمْعُ الْخَاسِرِينَ فِي الثَّانِيَةِ مُرَاعَاةً لِمَعْنَاهَا فَإِنَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَحِكْمَةُ إِفْرَادِ الْأَوَّلِ، الْإِشَارَةُ بِهِ إِلَى أَنَّ الْحَقَّ الْمُرَادَ مِنَ الْهِدَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِيمَانُ الْمُثْمِرُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَحِكْمَةُ جَمْعِ الثَّانِي، الْإِشَارَةُ إِلَى تَعَدُّدِ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
(٦: ١٥٣) وَتَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (٢: ٢٥٧) الْآيَةَ.
ثُمَّ فَصَّلَ تَعَالَى مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْإِجْمَالِ بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا. (الذَّرْءُ) فَسَّرُوهُ بِالْخَلْقِ، وَذَرَأْنَا: خَلَقْنَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ، وَلِكُلِّ مَادَّةٍ مَعْنًى خَاصٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى مَادَّةِ " خَلَقَ " وَسَنُعِيدُهُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الذَّرْءُ (إِظْهَارُ اللهِ تَعَالَى مَا أَبْدَأَهُ) يُقَالُ: ذَرَأَ اللهُ الْخَلْقَ أَيْ أَوْجَدَ أَشْخَاصَهُمْ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ وَغَيْرَهَا وَقَالَ: وَقُرِئَ تَذْرَؤُهُ الرِّيَاحُ، وَفِي اللِّسَانِ بَعْدَ تَفْسِيرِ الذَّرْءِ بِالْخَلْقِ وَالِاسْتِشْهَادِ بِالْآيَةِ: وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ (٤٢: ١١) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْنَى يَذْرَؤُكُمْ بِهِ أَيْ يُكَثِّرُكُمْ بِجَعْلِهِ مِنْكُمْ وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا. . ثُمَّ قَالَ: " أَعُوُذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ " وَكَأَنَّ الذَّرْءَ مُخْتَصٌّ بِخَلْقِ الذُّرِّيَّةِ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ كَتَبَ إِلَى خَالِدٍ " وَإِنِّي لَأَظُنُّكُمْ آلَ الْمُغِيرَةِ ذَرْءَ النَّارِ " يَعْنِي خَلْقَهَا الَّذِينَ خُلِقُوا لَهَا، وَيُرْوَى (ذَرْوُ النَّارِ) ، يَعْنِي الَّذِينَ يُفَرَّقُونَ فِيهَا، مَنْ ذَرَّتِ الرِّيحُ التُّرَابَ إِذَا فَرَّقَتْهُ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ. وَفِي الْأَسَاسِ: ذَرَأْنَا الْأَرْضَ وَذَرَوْنَاهَا، وَذَرَأَ اللهُ الْخَلْقَ وَبَرَأَ إِلَخْ.
فَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَعَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ اسْتِعْمَالَ الْقُرْآنِ لِهَذَا الْحَرْفِ فِي النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ خَاصَّةً، عَلِمْتَ أَنَّ الذَّرْءَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنَى بَثِّ الْأَشْيَاءِ وَبَذْرِهَا وَتَفْرِيقِهَا وَتَكْثِيرِهَا، وَأَنَّ إِسْنَادَهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمَعْنَى خَلْقِ ذَلِكَ أَيْ إِيجَادِهِ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ مَعْنَى الْخَلْقِ التَّقْدِيرُ، وَيُسْنَدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمَعْنَى إِيجَادِ الْأَشْيَاءِ بِتَقْدِيرٍ وَنِظَامٍ لَا جِزَافًا ; وَلِهَذَا عُطِفَ الذَّرْءُ وَالْبَرْءُ عَلَى الْخَلْقِ فِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَ " الْجِنُّ " الْأَحْيَاءُ الْعَاقِلَةُ الْمُكَلَّفَةُ الْخَفِيَّةُ غَيْرُ الْمُدْرِكَةِ بِحَوَاسِّ الْبَشَرِ، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَهُمْ هُنَا فِي الذِّكْرِ عَلَى الْإِنْسِ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ ; لِأَنَّهُمْ أَجْدَرُ وَأَعْرَقُ فِي الصِّفَاتِ الْآتِيَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا، وَكَوْنُ خَلْقِ أَصْلِ نَوْعِهِمْ وَأَوَّلِهِ مِنْ
مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، لَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَأَلُّمِهِمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.