وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ أَفْضَلَ مَا يُعَامِلُ الْبَشَرُ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْوَصَايَا الثَّلَاثِ، الَّتِي لَا يُمْكِنُ شَرْحُ التَّعَامُلِ بِهَا تَفْصِيلًا إِلَّا بِسِفْرٍ كَبِيرٍ، وَلَوْ عَمِلَ النَّاسُ بِهَذِهِ الْوَصَايَا لَصَلَحَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَلَمْ يَجِدِ الْفَسَادُ إِلَيْهِمْ سَبِيلًا، ثُمَّ قَفَّى عَلَيْهَا بِهَذِهِ الثَّلَاثِ الْآيَاتِ فِي الْوَصِيَّةِ بِاتِّقَاءِ إِفْسَادِ الشَّيْطَانِ، أَيْ جِنْسِهِ لِجِنْسِ الْبَشَرِ، وَالْمُرَادُ هُنَا شَيَاطِينُ الْجِنِّ الْمُسْتَتِرَةُ، فَالتَّنَاسُبُ الْقَرِيبُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُنَّ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ مُعَامَلَةِ الْبَشَرٍ وَمُعَامَلَةِ الْجِنِّ، وَمِنْ فُرُوعِهِ التَّنَاسُبُ بَيْنَ الْجَاهِلِينَ، أَيِ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ أَمَرَتِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمُ اتِّقَاءً لِشَرِّهِمْ، وَبَيْنَ الشَّيَاطِينِ الَّتِي أَمَرَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ مِنْهُمُ اتِّقَاءً لِشَرِّهِمْ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، اتِّقَاءُ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَشَيَاطِينِ الْجِنِّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الشِّرِّيرُ الْمُفْسِدُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَمَنْ فَسَّرَ آيَاتِ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ (٧: ١٨٩) إِلَخْ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ شِرْكَ الْأَبَوَيْنِ فِيمَا أَتَاهُمَا اللهُ مِنَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ كَانَ بِإِغْوَاءِ الشَّيْطَانِ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِي التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْآيَاتِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْآيَةَ بَيَّنَتْ لَنَا أَنَّ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ لِأَبَوَيْنَا كَانَتْ سَبَبَ مَا وَقَعَ لَهُمَا مِنَ الشِّرْكِ فِيمَا آتَاهُمَا مِنَ الْوَلَدِ - وَالْأَوْلَى إِرْجَاعُ التَّنَاسُبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى مَا بُيِّنَ فِي أَوَائِلِ السُّورَةِ مِنْ خَلْقِ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ لَهُمَا - وَمَا بُيِّنَ فِي خَوَاتِيمِهَا مِنَ الْإِرْشَادِ إِلَى إِتَّقَاءِ نَزْغِ الشَّيْطَانِ وَمَسِّهِ، وَهُوَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي بَدْءِ سِيَاقِ هَذِهِ الْخَاتِمَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ قَالَ الرَّاغِبُ: النَّزْغُ دُخُولٌ فِي أَمْرٍ لِإِفْسَادِهِ. وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (١٢: ١٠٠) وَفِي الْأَسَاسِ: نَزَغَهُ مِثْلُ نَسَفَهُ إِذَا طَعَنَهُ وَنَخَسَهُ. وَمِنَ " الْمَجَازِ " نَزَغَهُ الشَّيْطَانُ: كَأَنَّهُ يَنْخُسُهُ لِيَحُثَّهُ عَلَى الْمَعَاصِي. وَنَزَغَ بَيْنَ النَّاسِ: أَفْسَدَ بَيْنَهُمْ بِالْحَثِّ عَلَى الشَّرِّ اهـ. فَالنَّزْغُ كَالنَّسْغِ وَالنَّخْسِ وَالنَّخْزِ وَالنَّغْزِ وَالنَّكْزِ وَالْوَكْزِ وَالْهَمْزِ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، وَأَصْلُهُ إِصَابَةُ الْجَسَدِ بِرَأْسِ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ كَالْإِبْرَةِ وَالْمِهْمَازِ وَالرُّمْحِ أَوْ مَا يُشْبِهُ الْمُحَدَّدَ كَالْإِصْبَعِ، وَالْمُرَادُ مِنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ إِثَارَتُهُ دَاعِيَةَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ فِي غَضَبٍ أَوْ شَهْوَةٍ حَيَوَانِيَّةٍ أَوْ مَعْنَوِيَّةٍ، بِحَيْثُ تُقْحِمُ صَاحِبَهَا إِلَى الْعَمَلِ بِتَأْثِيرِهَا، كَمَا تُنْخَسُ الدَّابَّةُ بِالْمِهْمَازِ لِتُسْرِعَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.