فَسَادُ هَذَا الطَّرِيقِ ظَاهِرًا لَمْ يَذْكُرِ اللهُ تَعَالَى الْجَوَابَ عَنْهُ، هَذَا تَقْرِيرُ الرَّازِيِّ، وَقَوْلُهُ بِفَسَادِ التَّقْلِيدِ وَكَوْنُهُ حُجَّةً دَاحِضَةً فِي نَظَرِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ صَحِيحٌ. وَلَكِنَّ زَعْمَهُ أَنَّ هَذَا سَبَبٌ
لِعَدَمِ الرَّدِّ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَقَدْ رَدَّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (٢: ١٧٠) وَالصَّوَابُ أَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنِ الرَّدِّ الصَّحِيحِ هُنَا بِرَدِّ مَا اقْتَرَنَ بِهِ الْمُتَضَمِّنُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ وَبَيَانِ بُطْلَانِهِ وَهُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِتِلْكَ الْفَحْشَاءِ الَّتِي وَجَدُوا عَلَيْهَا آبَاءَهُمْ، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَدْحَضَهُ بِقَوْلِهِ لَهُمْ: (قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) فَهَذَا الْقَوْلُ تَكْذِيبٌ لَهُمْ مِنْ طَرِيقَيِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا خِلَافَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَنَا فِي أَنَّهُ مِنَ الْفَحْشَاءِ أَيْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ بِكَمَالِهِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا شَائِبَةَ لِلنَّقْصِ فِيهِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْفَحْشَاءِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَأْمُرُ بِهَا هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي هُوَ مَجْمَعُ النَّقَائِصِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) (٢: ٢٦٨) وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْعَقْلِيَّ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَجْلِ مُخَالَفَةِ مَنْ تَوَسَّعُوا فِي تَحْكِيمِ الْعَقْلِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا طَرِيقُ النَّقْلِ فَهُوَ أَنَّ مَا يُسْنَدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ بِوَحْيٍ مِنْهُ تَعَالَى إِلَى رَسُولٍ مِنْ عِنْدِهِ ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ بِتَأْيِيدِهِ تَعَالَى لَهُ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ فَالِاسْتِفَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) لِلْإِنْكَارِ الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّوْبِيخِ، وَلِلرَّدِّ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ فَإِنَّهُمْ بِاتِّبَاعِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ فِي آرَائِهِمْ وَأَعْمَالِهِمُ الدِّينِيَّةِ غَيْرِ الْمُسْنَدَةِ إِلَى الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ يَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ.
وَبَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ فِي هَذَا الطَّرِيقِ النَّقْلِيِّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ السَّلْبِ وَالنَّفْيِ، تَوَجَّهَتِ الْأَنْفُسُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يَأْمُرُ بِهِ تَعَالَى مِنْ مَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْخِصَالِ فَبَيَّنَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ. قَائِلًا لِرَسُولِهِ: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) أَيِ الْعَدْلِ وَالِاعْتِدَالِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَهُوَ الْوَسَطُ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ لَفْظًا وَمَعْنًى فِي سُورَتَيِ النِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ، وَالْوَسَطُ فِي اللِّبَاسِ الَّذِي يُعْبَدُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا نَظِيفًا لَائِقًا بِحَالِ لَابِسِهِ فِي النَّاسِ، لَا ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي تَفْرِيطِ التَّبَذُّلِ، وَلَا فِي إِفْرَاطِ التَّطَرُّسِ. وَسَيَأْتِي الْأَمْرُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ عِنْدَ الْمَسَاجِدِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وَقُدِّمَ عَلَيْهِ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِفِقْهِ الْعِبَادَةِ وَلُبَابِهَا، الدَّالُّ عَلَى جَهْلِهِمْ بِهَا. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أَيْ قُلْ لَهُمْ أَيُّهَا الرَّسُولُ: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
فَأَقْسِطُوا وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ - أَوْ وَقُلْ لَهُمْ: أَقِيمُوا إِلَخْ.
إِقَامَةُ الشَّيْءِ: إِعْطَاؤُهُ حَقَّهُ وَتَوْفِيَتُهُ شُرُوطَهُ كَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِقَامَةِ الْوَزْنِ بِالْقِسْطِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.