ثَبَتَتْ بِثُبُوتِ أَسْبَابِهَا الْكَسْبِيَّةِ، لَا أَنَّهَا جُعِلَتْ غَرِيزَةً لَهُمْ فَكَانُوا مَجْبُورِينَ عَلَيْهَا، يَدُلُّ عَلَى هَذَا تَعْلِيلُهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
(إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) عَادَ هُنَا إِلَى الْكَلَامِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بِضَمِيرِ الْغَائِبِينَ بَعْدَ انْتِهَاءِ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولَ مِنْ خِطَابِ الْمُحْتَجِّينَ مِنْهُمْ بِمَا يُبْطِلُ حُجَّتَهُمُ الَّتِي حَكَاهَا عَنْهُمْ - وَمَعْنَى اتِّخَاذِهِمُ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ أَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي كُلِّ مَا يُزَيِّنُونَهُ لَهُمْ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، كَأَنَّهُمْ وَلَّوْهُمْ أُمُورَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِيِّ وَالْعُدْوَانِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ فِيمَا تُلَقِّنُهُمُ الشَّيَاطِينُ مِنَ الشُّبُهَاتِ، كَجَعْلِ التَّوَجُّهِ إِلَى غَيْرِ اللهِ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ إِلَيْهِ فِي الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ تَعَالَى زُلْفَى، وَجَعْلِ الرَّبِّ تَعَالَى كَالْمُلُوكِ الْجَاهِلِينَ الظَّالِمِينَ، لَا يَقْبَلُ عِبَادَةَ عَبْدِهِ الْمُذْنِبِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ بَعْضِ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ. كَالْمَلِكِ الْجَاهِلِ مَعَ وُزَرَائِهِ وَحُجَّابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا مِنْ شُبْهَتِهِمْ عَلَى طَوَافِهِمْ عُرَاةً، وَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، مِنْ تَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ.
وَأَكْثَرُ مَنْ ضَلَّ مِنَ الْبَشَرِ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ، وَأَقَلُّ الْكُفَّارِ الْجَاحِدُونَ لِلْحَقِّ كِبْرًا وَعِنَادًا كَأَعْدَاءِ الرُّسُلِ فِي عُصُورِهِمْ، وَحَاسِدِيهِمْ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَكَرَّمَهُمْ بِهِ عَلَيْهِمْ، كَمَا حَسَدَ إِبْلِيسُ آدَمَ وَاسْتَكْبَرَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ فِرْعَوْنُ وَالْمَلَأُ مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِهِ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (٢٧: ١٤) وَمِنْهُمْ كُبَرَاءُ طَوَاغِيتِ قُرَيْشٍ كَأَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَالْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ) (٦: ٣٣) وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ فَضَالُّونَ بِالتَّقْلِيدِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ، أَوْ بِالنَّظَرِيَّاتِ وَالْآرَاءِ الْبَاطِلَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (١٨: ١٠٣، ١٠٤) وَلَوْ كَانَ التَّقْلِيدُ عُذْرًا مَقْبُولًا لَكَانَ أَكْثَرُ كُفَّارِ الْأَرْضِ
فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ مَعْذُورِينَ نَاجِينَ كَالْمُؤْمِنِينَ.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ التَّقْلِيدَ قَدْ أَضَلَّ الْأُلُوفَ الَّتِي لَا تُحْصَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ صَدَقَ عَلَيْهِمُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ " لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ " فَتَرَكُوا هِدَايَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسِيرَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَاتَّبَعُوا الْبِدَعَ الْمُسْتَحْدَثَةَ، فَإِذَا دَعَوْا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ قَالُوا: قَالَ الشَّيْخُ فُلَانٌ، وَفَعَلَ الْوَلِيُّ الصَّالِحُ فُلَانٌ، وَهَؤُلَاءِ أَعْلَمُ وَأَهْدَى مِنَّا بِالسُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ. وَإِنَّمَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.