وَالْأَوْطَانِ، فَإِنَّنَا ابْتُلِينَا فِي دَعْوَتِنَا إِلَى الْإِصْلَاحِ بِمَنْ كَانُوا يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنَّا، وَعَنْ نَصِيحَتِنَا لِأَهْلِ مِلَّتِنَا بِأَنَّنَا لَمْ نُوَلَدْ فِي بِلَادِهِمْ، وَلَا نَنْتَمِي إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَجْدَادِهِمْ، عَلَى أَنَّنَا نَنْتَمِي بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى إِلَى آلِ بَيْتِ نَبِيِّهِمْ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ نَسَبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ مِنَ الْقِبْطِ وَلَا الْعَرَبِ، وَإِنَّنَا نَرَى أَشَدَّ الشُّعُوبِ عَصَبِيَّةً لِلْوَطَنِ لَا يَجْعَلُونَهَا سَبَبًا لِلصَّدِّ عَنِ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ، وَلَا الدِّينِ وَمَذَاهِبِهِ، وَإِنَّمَا التَّنَافُسُ بَيْنَهُمْ فِي جَعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَطَنَهُ أَعَزَّ وَأَقْوَى وَأَغْنَى وَأَقْنَى وَلَوْ بِاقْتِبَاسِ الْعِلْمِ مِنَ الْآخَرِ، نَرَى رِجَالَ الدِّينِ الْكَاثُولِيكِيِّ مِنَ الْأَلْمَانِ وَالْفَرَنْسِيسِ أَعْوَانًا عَلَى نَصْرِ الْكَثْلَكَةِ، وَنَشْرِهَا فِي بِلَادِهِمْ وَغَيْرِهَا، كَمَا نَرَى مِثْلَ هَذَا بَيْنَ رِجَالِ الْبُرُوتَسْتَانْتِيَّةِ مِنَ الْأَلْمَانِ وَالْإِنْكِلِيزِ، كَدَأْبِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ فِي الْعِلْمِ، فَعُلَمَاءُ كُلِّ شَعْبٍ
يَتَسَابَقُونَ إِلَى اقْتِبَاسِ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْآخَرِ مِنَ اخْتِرَاعٍ أَوْ كَشْفٍ عَنْ حَقِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ، أَوِ اهْتِدَاءٍ لِسُنَّةٍ كَوْنِيَّةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ لِلْخَلْقِ، وَيَعْزُونَ كُلَّ أَمْرٍ إِلَى صَاحِبِهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْعِلْمَ لَا وَطَنَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّغَايُرُ وَالتَّفَرُّقُ بَيْنَ الْبَشَرِ فِي مِثْلِ هَذَا فِي إِبَّانِ ضَعْفِهِمْ، وَغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ، وَفُشُوِّ التَّحَاسُدِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ فِيهِمْ، وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ فِي الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي إِبَّانِ ارْتِقَائِهَا الْعِلْمِيِّ حَتَّى الْقَرْنِ الْخَامِسِ وَالسَّادِسِ، إِذْ كَانَ مِثْلَ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ يَجِيءُ بَغْدَادَ عَاصِمَةِ الْعِلْمِ وَالْمُلْكِ الْكُبْرَى فِي الْأَرْضِ فَيَكُونُ رَئِيسًا لِأَعْظَمِ مَدْرَسَةٍ فِيهَا بَلْ فِي الْعَالَمِ (وَهِيَ النِّظَامِيَّةُ) وَلَا يَحُولُ دُونَ ذَلِكَ كَوْنُهُ مِنْ قَرْيَةِ طُوسَ فِي بِلَادِ الْفُرْسِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ إِذْ تَغَيَّرَتِ الْحَالُ، كَمَا بَيَّنَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْمَنَارِ، وَنَحْمَدُ اللهَ أَنَّ تِلْكَ النَّزْعَةَ الشَّيْطَانِيَّةَ تَكَادُ تَزُولُ مِنْ مِصْرَ بِارْتِقَاءِ الْعِلْمِ وَالْعُمْرَانِ، عَلَى كَوْنِ النَّزْعَةِ الْوَطَنِيَّةِ الْعَصْرِيَّةِ تَزْدَادُ قُوَّةً وَانْتِشَارًا.
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ بِنَصِّهَا فِي بَيَانِ عَذَابِ قَوْمِ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (الْآيَةِ: ٧٨) فَيُرَاجَعُ تَفْسِيرُهَا فِي مَكَانِهَا مِنَ الْجُزْءِ الثَّامِنِ، وَفِيهِ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ عَذَابِهِمْ فِي سُورَةِ هُودٍ بِالصَّيْحَةِ بَدَلَ الرَّجْفَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْمُ شُعَيْبٍ، وَالرَّجْفَةُ: الْمَرَّةُ مِنَ الرَّجْفِ، وَهُوَ الْحَرَكَةُ وَالِاضْطِرَابُ، وَيَصْدُقُ بِرَجَفَانِ الْأَرْضِ وَهُوَ الزَّلْزَلَةُ، وَمِنْهُ: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ (٧٣: ١٤) وَبِرَجَفَانِ الْقُلُوبِ مِنَ الْهَوْلِ وَالْخَوْفِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ: " فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ " وَالرَّاجِحُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَالْمَعْنَى: فَأَخَذَتْهُمُ الزَّلْزَلَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ بَارِكِينَ عَلَى رُكْبِهِمْ أَوْ مُنْكَبِّينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ مَيِّتِينَ، فَهَذَا عَذَابُ أَهْلِ مَدَيْنَ عَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِالرَّجْفَةِ وَفِي سُورَةِ هُودٍ بِالصَّيْحَةِ، كَعَذَابِ ثَمُودَ فِي السُّورَتَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
وَفِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَ شُعَيْبًا إِلَى أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ، وَهُمْ غَيْرُ مَدْيَنَ، فَإِنَّهُ وَصَفَهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ بِأَنَّهُ أَخُو مَدْيَنَ أَيْ فِي النَّسَبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَصِفْهُ فِي سُورَةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.