فَبِهَذِهِ الْأَسْبَابِ أَبْطَلُوا مَزِيَّةَ كِتَابِ اللهِ وَخَاصِّيَّتَهُ فِي رَفْعِ الْخِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ الْمُفْسِدَيْنِ لِأَمْرِ الْمِلَّةِ وَالْأُمَّةِ اتِّبَاعًا لِسُنَنِ مَنْ قَبْلَهُمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ هُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ أَيْضًا، قَالَ - تَعَالَى -: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (٢: ٢١٣) وَقَالَ - تَعَالَى -: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٤: ٥٩) .
فَالرَّدُّ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَمَا بَيَّنَهُ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ؛ لِإِزَالَةِ التَّنَازُعِ وَحَسْمِ الْخِلَافِ تَفَادِيًا مِنَ التَّفْرِيقِ وَالتَّفَرُّقِ الْمُنَافِي لِوَحْدَةِ الدِّينِ، يَتَوَقَّفُ عَلَى جَعْلِ الْكِتَابِ وَبَيَانِ الرَّسُولِ لَهُ فَوْقَ التَّنَازُعِ وَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ وَالشِّيَعِ، وَإِلَّا كَانَ الدَّوَاءُ عَيْنِ الدَّاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مَوْضُوعُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الشِّيَعِ وَالْأَحْزَابِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْمَذَاهِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ رَدَّ شَيْئًا مِنْهُ كَانَ مُرْتَدًّا عَنِ الْإِسْلَامِ - إِنْ كَانَ قَدْ عُدَّ مِنْ أَهْلِهِ - وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي فَهْمِهِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَاخْتَلَفُوا فِي رِوَايَةِ بَعْضِهَا، وَفِي فَهْمِ بَعْضٍ، وَمَنْ صَحَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدِّينِ وَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الَّتِي يُعْتَدُّ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا، وَالِاخْتِلَافُ فِي فَهْمِ مَا كَانَ غَيْرَ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ ضَرُورِيٌّ لَا يَتَنَاوَلُهُ مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣: ١٠٥) .
وَنُجِيبُ عَنْ هَذَا - أَوَّلًا - بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا كَذَلِكَ فِي كُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ الْفِتَنِ وَعَصَبِيَّةِ الْمَذَاهِبِ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ كِبَارِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُمْ فِي كُلِّ حُكْمٍ كَلَامُ أَصْحَابِهِمْ، فَإِنْ وَجَدُوا آيَةً تُخَالِفُهُ (! !) الْتَمَسُوا لَهَا نَاسِخًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا أَوَّلُوهَا، وَإِنْ وَجَدُوا حَدِيثًا مُخَالِفًا لَهُ (! !) بَحَثُوا فِي إِسْنَادِهِ، فَإِنْ وَجَدُوا فِيهِ مَطْعَنًا نَبَذُوهُ، وَإِلَّا فَعَلُوا فِي التَّفَصِّي مِنْهُ مَا يَفْعَلُونَ فِي التَّفَصِّي مِنَ الْقُرْآنِ (! !) وَقَدْ جَرَى عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ كُلِّ مَذْهَبٍ إِلَّا أَفْرَادًا مِنْ كِبَارِ النُّظَّارِ خَالَفُوا الْمَذْهَبَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ وَالْأُصُولِيَّةِ بِالدَّلِيلِ، وَبَعْضِ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ رَجَّحُوا بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ شِئْتَ فَرَاجِعْ بَعْضَ الشَّوَاهِدِ عَلَى رَدِّهِمْ
لَهَا فِي " كِتَابِ إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقِيَمِ. وَ - ثَانِيًا - بِأَنَّ اللهَ - تَعَالَى - يُكَلِّفُهُمْ أَلَّا يَجْعَلُوا مَا لَيْسَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ سَبَبًا لِلتَّفَرُّقِ وَالتَّعَادِي، وَتَأْلِيفُ الْأَحْزَابِ وَالشِّيَعِ الَّتِي يُلَقِّنُ أَتْبَاعُ كُلٍّ مِنْهَا فَهْمَ رَجُلٍ أَوْ رِجَالٍ يُسَمُّونَهُ مَذْهَبَهُمْ، وَيَتَعَلَّمُونَ مَعَهُ الرَّدُّ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ وَتَفْسِيقِهِمْ أَوْ تَكْفِيرِهِمْ، وَبِهَذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ ضَارًّا وَمُفْسِدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ أُمُورَ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.