عَلَى بِلَادِهِمْ جَبَّارِينَ أُولِي قُوَّةٍ وَأُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَكَانَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الْبَشَرِ أَنْ تَتَرَبَّى أَفْرَادُهُمْ وَشُعُوبُهُمْ بِالشِّدَّةِ وَالِارْتِيَاضِ بِالصَّبْرِ، وَالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ - تَعَالَى - مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي طَرِيقِ التِّيهِ وَهُوَ الْجَنُوبِيُّ مِنْ بَرِّيَّةِ سَيْنَاءَ دُونَ الطَّرِيقِ الشَّمَالِيِّ الْقَرِيبِ مِنْ مُدُنِ فِلَسْطِينَ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَاقَةً بِقِتَالِ جَبَّارِي الْكَنْعَانِيِّينَ وَقْتَئِذٍ، فَكَتَبَ اللهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِمُ التِّيهَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَلَكَ فِي أَثْنَائِهَا الَّذِينَ اسْتَذَلَّهُمُ الْمِصْرِيُّونَ، وَنَشَأَ مِنْ صِغَارِهِمْ وَمَوَالِيدِهِمْ جِيلٌ جَدِيدٌ تَرَبَّى فِي حَجْرِ الشَّرْعِ الْجَدِيدِ، وَالتِّيهِ الشَّدِيدِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ
الْمَائِدَةِ (ص ٢٧٤ - ٢٧٩ ج٦ تَفْسِيرِ ط الْهَيْئَةِ) .
(ثَالِثُهَا) أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ قَدْ عَظُمَ مُلْكُهُمْ بِإِقَامَةِ شَرِيعَتِهِمْ بِقُوَّةٍ، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْغُرُورُ عَلَى الْعَمَلِ، وَظَنُّوا أَنَّ اللهَ يَنْصُرُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُمْ لِنَسَبِهِمْ وَلَقَبِهِمْ وَهُوَ " شَعْبُ اللهِ " فَسَقُوا وَظَلَمُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ بِهِمُ الْبَلَاءَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْبَابِلِيِّينَ الْأَقْوِيَاءَ، فَثَلُّوا عَرْشَهُمْ وَتَبَّرُوا مُلْكَهُمْ، ثُمَّ ثَابُوا إِلِى رُشْدِهِمْ، فَرَحِمَهُمُ اللهُ، وَأَعَادَ لَهُمْ بَعْضَ مُلْكِهِمْ وَعِزِّهِمْ، ثُمَّ ظَلَمُوا وَأَفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ النَّصَارَى فَمَزَّقُوهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، فَظَلُّوا عِدَّةَ قُرُونٍ مُتَّكِلِينَ عَلَى الْمَسِيحِ الْمَوْعُودِ لِيُعِيدَ لَهُمْ مُلْكَهُمْ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، ثُمَّ رَبَّتْهُمُ الشَّدَائِدُ، وَنَوَّرَهُمُ الْعِلْمُ الْعَصْرِيُّ فَطَفِقُوا يَسْتَعِدُّونَ لِاسْتِعَادَةِ هَذَا الْمُلْكِ بِكُلِّ مَا فِي الْإِمْكَانِ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْمَالُ وَالنِّظَامُ وَالْكَيْدُ وَالدَّهَاءُ مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى التَّقَالِيدِ الدِّينِيَّةِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ السَّعْيُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الدَّوْلَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ بِمَا فَصَّلْنَاهُ فِي بَيَانِ الْعِبْرَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَأَوْرَثَنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (٧: ١٣٧) .
(رَابِعُهَا) أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سُنَنَهُمْ وَسُنَنَ النَّصَارَى شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ فِي الضُّرِّ دُونَ النَّفْعِ كَمَا فَصَّلْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ - قَدِ اغْتَرُّوا بِدِينِهِمْ كَمَا اغْتَرُّوا، وَاتَّكَلُوا عَلَى لَقَبِ " الْإِسْلَامِ " وَلَقَبِ " أُمَّةِ خَاتَمِ الرُّسُلِ " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا يَثُوبُوا إِلَى رُشْدِهِمْ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ سَلَبُوا مُلْكَهُمْ وَعِزَّهُمْ لَمْ يَسُوسُوهُمْ بِشِدَّةٍ مُرِيبَةٍ كَافِيَةٍ، بِلِ اجْتَهَدُوا فِي إِفْسَادِ عَقَائِدِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، وَإِيقَاعِ الشِّقَاقِ وَالتَّفْرِيقِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، بَلْ أَفْسَدُوا كَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَسْتَوْلُوا عَلَى مُلْكِهِمْ مِنْهُمْ، بِتَوَلِّيهِمِ التَّرْبِيَةَ وَالتَّعْلِيمَ لِكَثِيرِينَ مِنْهُمْ، كَانُوا عَوْنًا لَهُمْ عَلَى مَا يُرِيدُونَ مِنْ ثَلِّ عُرُوشِهِمْ، وَالسِّيَادَةِ عَلَيْهِمْ بِالتَّدْرِيجِ كَالْعُثْمَانِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ - كَمَا فَصَّلْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى - وَلَا يَزَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَرْنِجُونَ الْمُخَرِّبُونَ يَجِدُّونَ فِي قَتْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُجَدِّدُونَ، وَيُفْسِدُونَ عَلَيْهَا أَمْرَهَا، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُصْلِحُونَ أَلَّا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (٢: ١٢) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.