وَمَضَتْ عَلَى مَوْتِهِمْ مُدَّةٌ هِيَ أَزْيَدُ مِنْ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَمَا رَأَوْهُ آتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَاطَبِينَ هَاهُنَا الْمَوْجُودُونَ مِنْ قَوْمِهِمْ وَقْتَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، الْمُرَادُ: الَّذِينَ يُوجَدُونَ وَقْتَ ظُهُورِ الْفَارَقْلِيطِ.
(الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَقِّ الْفَارَقْلِيطِ أَنَّ الْعَالَمَ لَا يَرَاهُ وَلَا يَعْرِفُهُ وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، وَهُوَ لَا يَصْدُقُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ النَّاسَ رَأَوْهُ وَعَرَفُوهُ.
أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَهُمْ أَحْوَجُ النَّاسِ تَأْوِيلًا فِي هَذَا الْقَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا؛ لِأَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ عَيْنُ اللهِ عِنْدَهُمْ، وَالْعَالَمُ يَعْرِفُ اللهَ أَكْثَرَ مِنْ مَعْرِفَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَا بُدَّ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْرِفَةِ الْمَعْرِفَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْكَامِلَةُ. فَفِي صُورَةِ التَّأْوِيلِ اشْتِبَاهٌ فِي صِدْقِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنَّ الْعَالَمَ لَا يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً كَامِلَةً. وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً كَامِلَةً. وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ الْمُعَرَّفَةُ، وَلِذَا لَمْ يُعِدْ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَفْظَ الرُّؤْيَةِ بَعْدَ لَفْظِ أَنْتُمْ، بَلْ قَالَ: وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، وَلَوْ حَمَلْنَا الرُّؤْيَةَ عَلَى الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ يَكُونُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ مَحْمُولًا عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِ الْإِنْجِيلِيِّ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ
الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِهِ. وَأَنْقُلُ عِبَارَتَهُ عَنِ التَّرْجَمَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَطْبُوعَةِ سَنَةَ ١٨١٦ وَسَنَةَ ١٨٢٥ (١٣ فَلِذَلِكَ أَضْرِبُ لَكُمُ الْأَمْثَالَ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ، وَيَسْمَعُونَ وَلَا يَسْتَمِعُونَ وَلَا يَفْهَمُونَ ١٤ وَقَدْ كَمُلَ فِيهِمْ تَنَبُّؤُ أَشْعِيَا حَيْثُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَسْتَمِعُونَ سَمْعًا وَلَا تَفْهَمُونَ، وَتَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلَا تُبْصِرُونَ فَلَا إِشْكَالَ أَيْضًا.
وَأَمْثَالُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مَعَانِيَ مَجَازِيَّةً لَكِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ، وَوَقَعَتْ فِي كَلَامِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَثِيرًا، فَفِي الْآيَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْبَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِ مَتَّى هَكَذَا (وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الِابْنَ إِلَّا الْأَبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ الْأَبَ إِلَّا الِابْنُ، وَمَنْ أَرَادَ الِابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ (وَفِي الْآيَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْبَابِ السَّابِعِ مِنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا هَكَذَا (الَّذِي أَرْسَلَنِي حَقٌّ الَّذِي أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ) وَفِي الْبَابِ الثَّامِنِ مِنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا هَكَذَا (١٩ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلَا أَبِي لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا ٥٥ وَلَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ أَيِ اللهَ إِلَخْ) . وَفِي الْآيَةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْبَابِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا هَكَذَا (أَيُّهَا الْأَبُ إِنَّ الْعَالِمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ) فِي الْبَابِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا هَكَذَا (٧ لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا، وَمِنَ الْآنِ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ٨ قَالَ لَهُ فيلبس يَا سَيِّدُ أَرِنَا الْأَبَ وَكَفَانَا ٩ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هَذِهِ مَدَّتُهُ، وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فيلبس الَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْأَبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الْأَبَ؟) فَالْمُرَادُ بِالْمَعْرِفَةِ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْمَعْرِفَةُ الْكَامِلَةُ، بِالرُّؤْيَةِ الْمُعَرَّفَةِ. وَإِلَّا لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالُ يَقِينًا: لِأَنَّ الْعَوَامَّ مِنَ النَّاسِ كَانُوا يَعْرِفُونَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.