وَلَعَلَّ ذَلِكَ الْعَالِمَ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْبَاشَا لَمْ يَسْأَلْ هَذَا السُّؤَالَ إِلَّا وَهُوَ مُنْكِرٌ لِوُرُودِ الْقَسَمِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامٍ لَهُ كَثُرَ نَقْلُهُ عَنْهُ، وَهُوَ احْتِقَارُ التَّعَالِيمِ وَالنَّظْمِ الَّتِي وُضِعَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَزَعْمُهُ أَنَّهَا وُضِعَتْ لِقَوْمٍ مُنْحَطِّينَ فِي الْحَضَارَةِ وَالْفُنُونِ، فَلَا يَلِيقُ اتِّبَاعُهَا فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي ارْتَقَتْ فِيهِ الصِّنَاعَاتُ وَالْفُنُونُ وَالْمَعَارِفُ الْمَادِّيَّةُ، وَاسْتَبَاحَ الْمُتْرَفُونَ فِيهِ الرَّذَائِلَ بِاسْمِ الْمَدَنِيَّةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُزِيلَ مِنْ فِكْرِهِ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ الْجَهْلِيَّةِ، وَيُبَيِّنَ لَهُ مَعْنَى صِيغَةِ الْقَسَمِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَهُوَ تَأْكِيدُ الْكَلَامِ وَحِكْمَةُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْإِقْسَامِ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَالتَّذْكِيرِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَمُنَاسِبَةِ
كُلِّ قَسَمٍ مِنْهُ أَقْسَمَ بِهِ عَلَيْهِ لِتَوْكِيدِهِ، كَالْإِقْسَامِ بِالنَّجْمِ عَلَى هِدَايَةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَرَشَادِهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُهْتَدَى بِهِ، ثُمَّ الِانْتِقَالُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ مُنَاسِبًا لِذَلِكَ، وَلَا بَأْسَ بِبَيَانِ ذَلِكَ وَإِنْ طَالَ الِاسْتِطْرَادُ ; إِزَالَةً لِشُبْهَةِ مُصْطَفَى كَمَال بَاشَا وَأَمْثَالِهِ لِئَلَّا يَكُونَ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فَنَقُولُ:.
إِنَّ الْجَمْعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٩٥: ١ - ٣) بَيَّنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الشَّجَرِ وَمَوْقِعَيْنِ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِمُنَاسَبَةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي التَّنْزِيلِ، وَفِيمَا دُونَهُ مِنْ كَلَامِ الْبُلَغَاءِ أَيْضًا، وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ طُورَ سِينِينَ (أَيْ سَيْنَاءَ) مَهْبِطُ الْوَحْيِ عَلَى مُوسَى ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَظْهَرُ نُبُوَّتِهِ - وَأَنَّ الْبَلَدَ الْأَمِينَ (مَكَّةَ) مَهْبِطُ الْوَحْيِ عَلَى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَظْهَرِ نُبُوَّتِهِ - تَرَجَّحَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ الْكِنَايَةَ عَنْ مَظْهَرَيْنِ مِنْ مَظَاهِرِ النُّبُوَّةِ وَالدِّينِ، كَمَا يُكَنَّى بِالْأَهْرَامِ أَوْ أَبِي الْهَوْلِ عَنْ حَضَارَةِ الْفَرَاعِنَةِ، وَبِشَجَرِ الْأَرْزِ عَنْ جَبَلِ لُبْنَانَ مَثَلًا.
وَإِذَا رَجَعْنَا لِلتَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ نَرَى فِيهِ عَنْ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ وَحَبْرِ الْأُمَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) مَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفَاسِيرِهِمْ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّينِ مَسْجِدُ نُوحٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الَّذِي بَنَاهُ عَلَى الْجُودِيِّ - أَيْ حَيْثُ اسْتَوَتْ سَفِينَتُهُ بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَالزَّيْتُونُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَطُورُ سِينِينَ مَسْجِدُ الطَّوْرِ، وَالْبَلَدُ الْأَمِينِ مَكَّةُ. (ثَانِيهُمَا) مَا رَوَاهُ عَنْهُ الْأَخِيرُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى حَيْثُ أُسْرِي بِالنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَخْ. وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ تَعَدُّدُ رُوَاتِهِ وَمُوَافَقَةُ التَّارِيخِ لَهُ كَمَا بَيَّنَهُ شَيْخُنَا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي تَفْسِيرِ السُّورَةِ مِنْ جُزْءِ " عم "، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ حِكَايَةِ أَشْهَرِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ مَا نَصُّهُ:.
" وَقَالَ قَلِيلٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ الْإِقْسَامَ هُوَ بِالنَّوْعَيْنِ لِذَاتِهِمَا التِّينِ وَالزَّيْتُونِ. قَالُوا: لِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِمَا، وَلَكِنْ تَبْقَى الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ طُورِ سِينِينَ وَالْبَلَدِ الْأَمِينَ وَحِكْمَةِ جَمْعِهِمَا مَعَهُمَا فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مَفْهُومَةٍ ; وَلِهَذَا رَجَّحَ أَنَّهُمَا مَوْضِعَانِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَنَّهُمَا النَّوْعَانِ مِنَ الشَّجَرِ، وَلَكِنْ لَا لِفَوَائِدِهِمَا كَمَا ذَكَرُوا، بَلْ لِمَا يُذْكُرُ أَنَّ بِهِ مِنَ الْحَوَادِثِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.