عَنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، وَإِذَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ بَعْضَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (٢: ١٨٧) فَلَأَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ تَأْوِيلُ مَا خَصَّ بِهِ بَعْضَ الْأَفْرَادِ، وَهُوَ مِمَّا لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ لِلنَّاسِ كَافَّةً - ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَلَا مِنْ فُرُوعِهِ - أَوْلَى. وَخَفَاءُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ
بَعْدَهُمْ أَوْلَى، إِلَّا مَنْ يَقَعُ تَأْوِيلُهُ فِي عَهْدِهِمْ كَوَصْفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النِّسَاءَ الْمُتَهَتِّكَاتِ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِالْكَاسِيَاتِ الْعَارِيَاتِ إِلَخْ.
(٥) لَا شَكَّ فِي أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ قَدْ رُوِيَ بِالْمَعْنَى كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ رُوَاةِ الصِّحَاحِ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ حَتَّى الْمُخْتَصَرِ مِنْهَا، وَمَا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنَ الْمُدْرَجَاتِ، وَهِيَ مَا يُدْرَجُ فِي اللَّفْظِ الْمَرْفُوعِ مِنْ كَلَامِ الرُّوَاةِ. فَعَلَى هَذَا كَانَ يَرْوِي كُلُّ أَحَدٍ مَا فَهِمَهُ، وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي فَهْمِهِ الْخَطَأُ; لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ غَيْبِيَّةٌ، وَرُبَّمَا فَسَّرَ بَعْضَ مَا فَهِمَهُ بِأَلْفَاظٍ يَزِيدُهَا، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُطْلِعْهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مَا أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمُغَيَّبَاتِ بِالتَّفْصِيلِ، وَكَانَ يَجْتَهِدُ فِي بَعْضِهَا وَيُقَدِّرُ وَيَأْخُذُ بِالْقُرْآنِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَجْوِيزِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ ابْنُ صَيَّادٍ الْيَهُودِيُّ الْمُعَاصِرُ لَهُ هُوَ الدَّجَّالُ الْمَنْتَظَرُ، وَكَذَا تَجْوِيزِهِ أَنْ يَظْهَرَ فِي زَمَنِهِ وَهُوَ حَيٌّ، فَهَلْ مِنَ الْغَرَابَةِ أَنْ يَقَعَ الْخَلْطُ وَالتَّعَارُضُ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ بِالْمَعْنَى بِقَدْرِ فَهْمِ الرُّوَاةِ.
(٦) أَنَّ الْعَابِثِينَ بِالْإِسْلَامِ وَمُحَاوِلِي إِفْسَادِ الْمُسْلِمِينَ وَإِزَالَةِ مُلْكِهِمْ مِنْ زَنَادِقَةِ الْيَهُودِ وَالْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الِابْتِدَاعِ وَأَهْلِ الْعَصَبِيَّاتِ الْعُلْوِيَّةِ وَالْأُمَوِيَّةِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ قَدْ وَضَعُوا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً افْتَرَوْهَا، وَزَادُوا فِي بَعْضِ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ دَسَائِسَ دَسُّوهَا، وَرَاجَ كَثِيرٌ مِنْهَا بِإِظْهَارِ رُوَاتِهَا لِلصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى، وَلَمْ يُعْرَفْ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ إِلَّا بِاعْتِرَافِ مَنْ تَابَ إِلَى اللهِ مِنْ وَاضِعِيهَا، وَلَقَدْ كَانَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ يَقُولُ: إِنَّ الْإِسْلَامَ الصَّحِيحَ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ قَبْلَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، وَلَمْ يَكُنْ يَثِقُ إِلَّا بِأَقَلِّ الْقَلِيلِ مِمَّا رُوِيَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ أَحَادِيثِ الْفِتَنِ.
(٧) إِنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يَرْوُونَ عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَمَا كَلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنٌ صَادِقٌ، وَمَا كَانُوا يُفَرِّقُونَ فِي الْأَدَاءِ بَيْنَ مَا سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَمَا بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ بِمِثْلِ: سَمِعْتُ وَحَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي، وَمِثْلِ: عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ، أَوْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَمَا فَعَلَ الْمُحَدِّثُونَ مِنْ بَعْدُ عِنْدَ وَضْعِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ كَانَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَعَنِ التَّابِعِينَ حَتَّى عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَأَمْثَالِهِ، وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ عُدُولٌ فَلَا يُخِلُّ جَهْلُ اسْمِ رَاوٍ مِنْهُمْ بِصِحَّةِ السَّنَدِ، وَهِيَ قَاعِدَةُ أَغْلَبِيَّةٌ لَا مُطَّرِدَةٌ فَقَدْ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ -
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَافِقُونَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (٩: ١٠١) مَرَدُوا عَلَيْهِ: أَحْكَمُوهُ وَصَقَلُوهُ أَوْ صَقَلُوا فِيهِ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَظْهَرُ فِي سِيمَاهُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.