(١) اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يقبلان مبهمين من غير ذكر أسبابهما؟: فشرط بعضهم لقبولهما ذكر السبب في كل منهما، وشرط بعضهم ذكر السبب في التعديل دون الجرح، وقبل بعضهم التعديل من غير ذكر أسبابه. وشرط في الجرح بيان السبب مفصلًا، وهو الذي اختاره ابن الصلاح والنووي وغيرهما، وهو المشتهر عند كثير من أهل العلم. واعترض ابن الصلاح على هذا بكتب الجرح والتعديل، فإنها - في الأغلب - لا يذكر فيها سبب الجرح، فالأخذ بهذا الشرط يسد باب الجرح، وأجاب عن ذلك بأن فائدتها التوقف فيمن جرحوه، فإن بحثنا عن حاله وانزاحت عنه الريبة وحصلت الثقة به قبلنا حديثه. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب ذكر السبب في الجرح أو التعديل، إذا كان الجارح أو المعدل عالمًا بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في ذلك، بصيرًا مرضيًا في اعتقاده وأفعاله. قال المؤلف في التدريب (ص ١١٢): "وهو اختيار القاضي أبي بكر، ونقله عن الجمهور، واختاره إمام الحرمين والغزالي والرازي والخطيب، وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي والبلقيني في محاسن الاصطلاح. واختار شيخ الإسلام - يعني ابن حجر - تفصيلًا حسنًا: فإن كان من جرح مجملًا قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد، كائنًا من كان، إلا مفسرًا، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه، ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ الناس، فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر، إذا صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله. وقال الذهبي، وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال -: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة. انتهى. ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجمعوا على تركه". والتفصيل الذي اختاره ابن حجر هو الذي يطمئن إليه الباحث في التعليل والجرح والتعديل بعد استقرار علوم الحديث وتدوينها. وقد اختاره المؤلف هنا. (٢) يقبل التعديل من العبد والمرأة العارفين بهذه الصناعة، لأن هذا إخبار ورواية، وروايتهما مقبولة. وبعضهم خالف في قبوله من النساء، واحتج الخطيب للقبول بسؤال النبي ﷺ بريرة عن عائشة في قصة الإفك. وأما الصبي المراهق فقد نقل الخطيب أنه لا يقبل تعديله إجماعًا. (٣) إذا اجتمع في الراوي جرح مبين السبب وتعديل -: فالجرح مقدم وإن كثر عدد المعدلين، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عنه. وقيد الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح، ولكنه تاب وحسنت حاله، أو إذا ذكر الجارح سببًا معينًا للجرح، فنفاه المعدل بما يدل يقينًا على بطلان السبب. قاله في التدريب.