= النووي، ورد عليه المؤلف في شرحه على التقريب دعوى الاتفاق، ونقل قولًا آخر بأنها تقبل روايتهم مطلقًا وقولًا آخر بأنها تقبل إن اعتقد حرمة الكذب، ثم نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال: "التحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفتها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. والمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، وأما من لم يكن كذلك وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله". وهذا الذي قاله الحافظ هو الحق الجدير بالاعتبار، ويؤيده النظر الصحيح. وأما من كانت بدعته لا توجب الكفر فإن بعضهم لم يقبل روايته مطلقًا، وهو غلو من غير دليل، وبعضهم قبل روايته إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، وروي هذا القول عن الشافعي، فإنه قال: "أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم". وقال أيضًا: "ما رأيت في أهل الأهواء قومًا أشهد بالزور من الرافضة" وهذا القيد - أعني عدم استحلال الكذب - لا أرى داعيًا له، لأنه قيد معروف بالضرورة في كل راو، فإنا لا نقبل رواية الراوي الذي يعرف عنه الكذب مرة واحدة، فأولى أن نرد رواية من يستحل الكذب أو شهادة الزور. وقال بعضهم: تقبل رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل إن كان داعية، ورجح النووي هذا القول وقال: "هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير أو الأكثر". وقيد الحافظ أبو إسحق الجوزجاني - شيخ أبي داود والنسائي - هذا القول بقبول روايته إذا لم يرو ما يقوي بدعته. وهذه الأقوال كلها نظرية، والعبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه، والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرًا من أهل البدع موضعًا للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرًا منهم لا يوثق بأي شيء يرويه. ولذلك قال الحافظ الذهبي في الميزان (ج ١ ص ٤) في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي: "شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه، وعليه بدعته" ونقل توثيقه عن أحمد وغيره، ثم قال: "فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟! وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلوّ التشيّع، أو التشيّع بلا غلوّ ولا تحرق، فهذا كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلوّ فيه، والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟! حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم: هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًا ﵃ وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا: هو الذي يكفر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضالّ مفتر". والذي قاله الذهبي مع ضميمة ما قاله ابن حجر فيما مضى -: هو التحقيق الدقيق المنطبق على أصول الرواية. والله أعلم.