(١) الراوي المجروح بالفسق، إذا تاب عن فسقه وعرفت عدالته بعد التوبة -: تقبل روايته بعدها، وهذا على إطلاقه في كل المعاصي ما عدا الكذب في رواية الحديث، فإن أحمد بن حنبل وأبا بكر الحميدي وأبا بكر الصيرفي قالوا: لا نقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله ﷺ وإن تاب عن الكذب بعد ذلك. قال الصيرفي: "كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر" وقال أبو المظفر السمعاني: "من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه". وردّ النووي هذا فقال في شرح مسلم: "المختار القطع بصحة توبته وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم". والراجح ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه، تغليظًا وزجرًا بليغًا عن الكذب على رسول الله ﷺ، لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. فلا يقاس الكذب في الرواية على الكذب في الشهادة أو في غيرها، ولا على أنواع المعاصي الأخرى. قال الناظم في التدريب: "وقد وجدت في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني: فذكروا في باب اللعان: أن الزاني إذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصنًا ولا يحد قاذفه بعد ذلك، لبقاء ثامة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدًا. وذكروا أنه لو قذف ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد، لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يفضح أحدًا من أول مرة، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف. وكذلك نقول فيمن تبين كذبه -: الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه، فوجب إسقاط الكل. وهذا واضح بلا شك، ولم أر أحدًا تنبه لما حررته. ولله الحمد". (٢) إذا روى ثقة عن ثقة آخر حديثًا فنفاه المروي عنه وجزم بأنه لم يحدث بهذا الحديث، بأن قال "ما رويته" أو "كذب علي" أو نحو ذلك -: وجب رده في الأصح الذي رجحه الناظم، ولكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه ولا يثبت جرحه. قال الناظم في التدريب (ص ١٢٣): "لأنه أيضًا مكذب لشيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كل منهما أولى من قبول الآخر، فتساقطا. فإن عاد الأصل وحدث به أو حدث به فرع آخر ثقة عنه ولم يكذبه فهو مقبول. صرح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما". وهذا الذي رجحه المؤلف لا أراه راجحًا، بل الراجح قبول الحديث مطلقًا، إذ أن الراوي عن الشيخ ثقة =