للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

"أَجَزْتُ مَا صَحَّ وَمَا يَصِحُّ لَكْ … مِمَّا سَمِعْتُ أَوْ يَصِحُّ مَا سَلَكْ"

فِي مِثْلِ ذَا لا تُدْخِلِ الْمُجَازَا … أَوْ صَحَّ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَا

وَمَنْ رَأَى إِجَازَةَ الْمُجَاز … -وَلَوْ عَلَا- فَذَاكَ ذُو امْتِيَازِ

وَلَفْظُهَا "أَجَزْتُهُ" "أَجَزْتُ لَهْ" … فَإِنْ يَخُطَّ نَاوِيًا (فَيُهْمِلَهْ

وَلَيْسَ شَرْطًا الْقَبُولُ بَلْ إِذَا … رَدَّ فَعِنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ بِذَا)

وَاسْتُحْسِنَتْ مِنْ عَالِمٍ لِمَاهِرِ … وَشَرْطُهُ يُعْزَى إِلَى أَكَابِرِ (١)


(١) الإجازة: أن يأذن الشيخ لغيره بأن يروي عنه مروياته أو مؤلفاته، وكأنها تتضمن إخباره بما أذن له بروايته عنه.
وقد اختلفوا في جواز الرواية والعمل بها، فأبطلها كثير من العلماء المتقدمين، قال بعضهم: "من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع -: فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب عليّ! لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع".
وهذا يصح لو أنه أذن له في رواية ما لم يسمع مع تصريح الراوي بالسماع، لأنه يكون كذبًا حقيقة، أما إذا كان يرويه عنه على سبيل الإجازة - وهو محل البحث -: فلا. وقال ابن حزم: "إنها بدعة غير جائزة" ومنع بعض الظاهرية من العمل بها، وجعلوها كالحديث المرسل. وهذا القول - أعني إبطالها - ضعفه العلماء وردّوه.
وتغالى بعضهم فزعم أنها أصح من السماع. وجعلها بعضهم مثله.
والذي رجحه العلماء أنها جائزة، يروى بها ويعمل، وأن السماع أقوى منها. قال ابن الصلاح (ص ١٥٢): "إن الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم -: القول بتجويز الإجازة وإباحة الرواية بها. وفي الاحتجاج لذلك غموض، ويتجه أن نقول: إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته وقد أخبره بها جملة -: فهو كما لو أخبره تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقًا، كما في القراءة على الشيخ، كما سبق، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك يحصل بالإجازة المفهمة. والله أعلم".
أقول: وفي نفسي من قبول الرواية بالإجازة شيء، وقد كانت سببًا لتقاصر الهمم عن سماع الكتب سماعًا صحيحًا بالإسناد المتصل بالقراءة إلى مؤلفيها، حتى صارت في الأعصر الأخيرة رسمًا يرسم، لا علمًا يتلقى ويؤخذ. ولو قلنا بصحة الإجازة إذا كانت بشيء معين من الكتب لشخص معين أو أشخاص معينين -: لكان هذا أقرب إلى القبول. ويمكن التوسع في قبول الإجازة لشخص أو أشخاص معينين مع إبهام الشيء المجاز، كان يقول له: "أجزت لك رواية مسموعاتي" أو "أجزت رواية ما صح وما يصح عندك أني أرويه". أما الإجازات العامة، كأن يقول: "أجزت لأهل عصري" أو "أجزت لمن شاء" أو "لمن شاء فلان" أو للمعدوم، أو نحو ذلك مما قاله الناظم هنا -: فإني لا أشك في عدم جوازها.
وإذا صحت الرواية بالإجازة فإنه يصح للراوي بها أن يجيز غيره، ويجوز لهذا الغير أن يروي بها، =

<<  <   >  >>