للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَمَنْ عَلَيْهِ كَلِمَاتٌ تُشْكِلُ … يَرْوِي عَلَى مَا أَوْضَحُوا إِذْ يَسْأَلُ (١)

وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ أشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ


= ومعرتهما، وأن لا يروي الأحاديث بقراءة من يلحن أو يصحف، وأن يأخذ الحديث عن الشيوخ العارفين بهذا العلم الجليل، لا من الصحف والكتب، حتى تكون روايته صحيحة موافقة للصواب. فإن النبي أفصح العرب وأنقاهم لفظًا وأحسنهم نطقًا. وقد قال الأصمعي: "إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي : (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) لأنه لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه".
وإذا وجد الراوي في الأصل حديثًا فيه لحن أو تحريف فالأولى أن يتركه على حاله ولا يمحوه، وإنما يضبب عليه ويكتب الصواب في الهامش، وعند الرواية يروي الصواب من غير خطأ ثم يبين ما في أصل كتابه. وإنما رجحوا إبقاء الأصل لأنه قد يكون صوابًا وله وجه لم يدركه الراوي ففهم أنه خطأ، لاسيما فيما يعدونه خطأ من جهة العربية، لكثرة لغات العرب وتشعبها. قال ابن الصلاح (ص ١٩٢): "والأولى سدّ باب التغيير والإصلاح، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وهو أسلم مع التبيين".
ثم قال: "وأصلح ما يعتمد عليه في الإصلاح أن يكون ما يصلح به الفاسد قد ورد في أحاديث أخر، فإن ذاكره آمن أن يكون متقوّلا على رسول الله ما لم يقل".
وإذا كان في الكتاب سقط لا يتغير المعنى به كلفظ "ابن" أو حرف من الحروف فلا بأس من إتمامه من غير بيان أصله. وكذا إذا كان يغير المعنى ولكن تيقن أن السقط سهو من شيخه وأن من فرقه من الرواة أتى به، وإنما يجب أن يزيد كلمة "يعني" كما فعل الحافظ الخطيب: إذ روى عن أبي عمر بن مهدي عن القاضي المحاملي بإسناده عن عروة عن عمرة تعني عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله يدني إليّ رأسه فأرجله) قال الخطيب: "كان في أصل ابن مهدي: عن عمرة أنها قالت: (كان رسول الله يدني إليّ رأسه) فألحقنا فيه ذكر عائشة، إذ لم يكن منه بدّ، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا أبي عمر، وقلنا فيه: تعني عن عائشة ، لأجل أن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك".
وإذا درس من كتابه - أي ذهب بتقطع أو بلل أو نحوه - بعض الكلام، أو شك في شيء مما فيه أو مما حفظ وثبته فيه غيره من الثقات، واطمأن قلبه إلى الصواب -: جاز له إلحاقه بالأصل، ويحسن أن يبين ذلك ليبرأ من عهدته.
هكذا ذهب الناظم تبعًا لمن قبله من الباحثين. والذي أراه في كل هذه الصور، وأعمل به في كتاباتي وأبحاثي -: أن الواجب المحافظة على الأصل مع بيان التصحيح بحاشية الكتاب، إلّا إذا كان الخطأ واضحًا ليس هناك شبهة في أنه خطأ، فيذكر الصواب ويبين في الحاشية نصّ ما كان في الأصل، اتباعًا للأمانة الواجبة في النقل.
(١) أي من أشكلت عليه كلمة من غريب الحديث جاز له أن يسأل عنها علماء اللغة ويرويها على ما أخبروه.

<<  <   >  >>