بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا بَعْدَهُ مِنْ خَلِيفَةٍ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِي الْبَابِ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِهَذَا وَأَنَّ الْمُرَادَ بِبَعْثِ الْخَلِيفَةِ اسْتِخْلَافُهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ مَا مِنْ وَالٍ وَهُوَ أَعَمُّ انْتَهَى (إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ) الْبِطَانَةُ بِالْكَسْرِ الصَّاحِبُ الْوَلِيجَةُ وَهُوَ الَّذِي يُعَرِّفُهُ الرَّجُلُ أَسْرَارَهُ ثِقَةً بِهِ شُبِّهَ بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ (بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ مَا عَرَفَهُ الشَّرْعُ وَحَكَمَ بِحُسْنِهِ (وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ) أَيْ مَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْ فِعْلِهِ (وَبِطَانَةٌ لا تألوه خبالا) أي لا تتصرفي إِفْسَادِ أَمْرِهِ وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (لا يألونكم خبالا) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ
قَالَ الْحَافِظُ وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا التَّقْسِيمُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ لِأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ يُدَاخِلُهُ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يُصْغِيَ إِلَيْهِ وَلَا يَعْمَلَ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ الْعِصْمَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ الْإِشَارَةَ إِلَى سَلَامَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَاكَ بِقَوْلِهِ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ مَنْ يُشِيرُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّرِّ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ الْمَلَكُ وَالشَّيْطَانُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ قَالَ وَفِي مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا إِنْ نَسِيَ ذكره وإن ذكر أعانه
قال بن التِّينِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ الْوَزِيرَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلَكَ وَالشَّيْطَانَ
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ وَالنَّفْسَ اللَّوَّامَةَ الْمُحَرِّضَةَ عَلَى الْخَيْرِ إِذْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّةٌ مَلَكِيَّةٌ وَقُوَّةٌ حَيَوَانِيَّةٌ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْلَى إِلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ لَا يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ إِلَّا لِبَعْضٍ
وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ الْبِطَانَةُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَصْفِيَاءُ وَهُوَ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا انْتَهَى (وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ) بِأَنْ يَعْصِمَهُ اللَّهُ مِنْهَا (فَقَدْ وُقِيَ) الشَّرَّ كُلَّهُ
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ
قَالَ الْحَافِظُ وَالْمُرَادُ بِهِ إِثْبَاتُ الْأُمُورِ كُلِّهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الَّذِي يَعْصِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ لَا مَنْ عَصَمَتْهُ نَفْسُهُ إِذْ لَا يُوجَدُ مَنْ تَعْصِمُهُ نَفْسُهُ حَقِيقَةً إِلَّا إِنْ كَانَ اللَّهُ عَصَمَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ دُونَ قوله فقال
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.