سَببُ تَقديمِ الوَصيةِ على الدَّينِ:
قالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: بابُ الرَّجلِ يَموتُ وعليه دَينٌ ويُوصي بوَصيةٍ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ورَوى الحارِثُ عن علِيٍّ قالَ: «تَقرَؤونَ الوَصيةَ قبلَ الدَّينِ، وإنَّ مُحمدًا ﷺ قَضى بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ»، قالَ أَبو بَكرٍ: وهذا لا خِلافَ فيه بينَ المُسلِمينَ.
وذلك لأنَّ مَعنى قَولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] أنَّ المِيراثَ بعدَ هذَينِ وليسَت «أو» في هذا المَوضعِ لأَحدِهما، بل قد تَناولَتهما جَميعًا، وذلك لأنَّ قَولَه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] مُستَثنًى من الجُملةِ المَذكورةِ في قِسمةِ المَواريثِ، ومتى دخَلَت «أو» على النَّفيِ صارَت في مَعنى الواوِ، كقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، فكانَت «أو» في هذه المَواضعِ بمَنزِلةِ الواوِ، فكذلك قَولُه تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] لمَّا كانَ في مَعنى الاستِثناءِ كأنَّه قالَ: «إلا أنْ تَكونَ هناك وَصيةٌ أو دَينٌ» فيَكونُ المِيراثُ بعدَهما جَميعًا، وتَقديمُ الوَصيةِ على الدَّينِ في الذِّكرِ غيرُ مُوجبٍ للتَّبدئةِ بها على الدَّينِ؛ لأنَّ «أو» لا تُوجِبُ التَّرتيبَ، وإنَّما ذكَرَ اللهُ تَعالى ذلك بعدَ ذِكرِ المِيراثِ إِعلامًا لنا بأنَّ سِهامَ المَواريثِ جارِيةٌ في التَّركةِ بعدَ قَضاءِ الدَّينِ وعَزلِ حِصةِ الوَصيةِ، ألَا تَرى أنَّه إذا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.