ﷺ فقالَتْ: جِئتُ أهَبُ نَفسِي، فقامَتْ طَويلًا، فنظَرَ وصوَّبَ، فلمَّا طالَ مَقامُها قالَ رَجلٌ: زَوِّجْنيها إن لم تَكنْ لكَ بها حاجةٌ، قالَ: عندَكَ شيءٌ تُصدِقُها؟ قالَ: لا، قالَ: انظُرْ، فذهَبَ ثمَّ رجَعَ فقالَ: واللهِ إنْ وَجَدتُ شيئًا، قالَ: اذهَبْ فالْتَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، فذهَبَ ثمَّ رجَعَ قالَ: لا واللهِ ولا خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، وعليه إزارٌ ما عليهِ رِداءٌ، فقالَ: أُصدِقُها إزارِي، فقالَ النبيُّ ﷺ: إزارُكَ إنْ لَبسَتْه لم يَكنْ عليكَ منه شيءٌ، وإنْ لَبسْتَه لم يكنْ عليها منه شيءٌ، فتَنحَّى الرَّجلُ فجلَسَ، فرآهُ النبيُّ ﷺ مُوَلِّيًا فأمَرَ بهِ فدُعِيَ، فقالَ: ما معكَ مِنْ القُرآنِ؟ قالَ: سُورةُ كذا وكذا، لِسُوَرٍ عدَّدَها، قالَ: قد مَلَّكتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» (١)، وهذا نَصٌّ، ولأنه لَفظٌ يَنعقدُ به تَزويجُ النبيِّ ﷺ، فانعَقدَ به نكاحُ أمَّتِه كلَفظِ الإنكاحِ والتَّزويجِ، ولأنه أمكَنَ تَصحيحُه بمَجازِه، فوجَبَ تَصحيحُه كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ، ولأنه لَفظُ تَمليكٍ لا يَقتضِي تَوقيتًا، فأشبَهَ لفْظَ النكاحِ والتَّزويجِ، ولأنهُ عَقدُ مُعاوَضةٍ، فجازَ أنْ يُعقَدَ بأكثرَ مِنْ لَفظينِ كالبيعِ (٢).
قالَ الحَنفيةُ: النكاحُ يَصحُّ بلَفظِ الهِبةِ؛ لأنه انعَقدَ نكاحُ رَسولِ اللهِ ﷺ بلَفظِ الهِبةِ في قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [لقمان: ٥٠]، فيَنعقدُ به نكاحُ أمَّتِه.
(١) رواه البخاري (٥٥٣٣).(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣١٢، ٣١٣) رقم (١١٤٨)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٤٩٦).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.