للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غرب حتى أضاء فيه شعاعها، وامتد إليه شراعها، وأشرقت عليه شمسها، وانبسطت به شمسها وغلب عليه صيتها، وغُلَّ به عفريتها ومشت فيها الحكماء على قانونه، ورأت الشفاء بمضمونه، وعرفت الحكم بإشارته، وسلكت مثل النحل سُبُلَها ذُللًا بعبارته، وعلمت أنه فيلسوف الإسلام والمسلم إليه في كل علم بسلام، والمقدم في سائر الطبقات، والمعظم على الأوقات، والمحرم من العلم المحرم إليه في الميقات، كان ندرة في العالم، وزهرة في بني آدم والمفاض عليه من العلوم ما لا تُرْجَرُ بحاره، ولا تزخر إلا لج فوائد فرائده، وصدره محاره منبع العلم، وموضع الحلم، ومرتع الفضائل، ومربع الكرم، ووسمي الربيع، متضائل أعجوبة الزمان، وغريبة آل سامان، فخرت دولة ما وراء النهر منه بوزير شرف دستها، وصرَّف بجمعه لجهات الممالك شتها، وتقلد أمورها، وقلد المنّة بولايته أميرها، وتزيا بزي أرباب الدول، وأصبح في أصحاب الخول، واقتنى الغلمان الأتراك، ووقع بالحب في الإشراك، وكان غلمانه يلبسون الديباج المنسوج بالذهب، ويشدون مناطق الذهب، المرصعة بالجواهر، يزهر بهم جلوته، وتعمر خلوته. يبيت معهم الليالي في الحمام، ويبادر بتنعمه بهم صروف الحمام، حتى قال له ملكه: كيف تنهانا عن الاتيان في الحمام؟! فقال: لأن الملك يحب أن يعيش طويلًا، وأنا أحب أن أعيش طيبًا، وكان لا يملك صبرًا عن غلمانه، ولا يشغل إلا بهم فراغ زمانه حتى كانوا سبب حمامه، وجلب سمامه.

وكان السبب في فعلتهم ومرشدهم في هذا إلى ضَلَّتهم أنهم سرقوا مالًا جليلًا، ثم خافوه، وسئموا فعله الطويل بهم وعافوه، فشابوا له درياق مثرود بطوس كان يستعمله بسم، أبي إلا أن يقتله، فتعلل به عامه حتى ساق الأجل إليه حمامه.

وكانت الوزارة نقصًا عيب به، وأطلقت الحكماء ألسنتها فيه بسببها، وقالوا: أذل العلم ورضي من الفانية بالاستكثار، فقال: لي أسوة بأرسطو في صحبة الاسكندر، وفيما قاله نظر؛ لأن أرسطو كان معلمًا للإسكندر ومشيرًا، وابن سيناء كان مكلفًا ووزيرًا.

قال ابن أبي أصيبعة (١): هو أشهر من أن يذكر، وفضائله أعظم من أن تسطر.

قال: ونحن نقتصر في وصفه على قدر ما ذكره عن نفسه. ووصفه أبو عبيد الجوزجاني صاحبه من أحواله. والذي ذكره هو قال: كان أبي رجلًا من أهل بلخ، وانتقل إلى بخارى في أيام نوح بن منصور، واشتغل بالتصرف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية


(١) عيون الأنباء ٤٣٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>