وقوله بالحبس يعني انحباس البطن من القولنج الذي أصابه، والشفاء والنجاة يريد الكتابين من تأليفه، وقصد بهما بعض أصدقائه، وهو أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي.
ومن كلامه قال:
ليكن الله تعالى أوَّل فكرك وآخره، وباطن اعتبارك وظاهره، ولتكن عين نفس الرجل مكحولة بالنظر إليه، وقدمها موقوفة على المثول بين يديه؛ مسافرًا بعقله في الملكوت الأعلى، وما فيه من آيات ربه الكبرى. وإذا انحط إلى قراره، فلينزه الله تعالى في آثاره، فإنه باطن ظاهر، تجلى لكل شيء بكل شيء:[من المتقارب]
فَفي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ … تدل على أَنَّه واحد
فإذا صارت هذه الحال له ملكة، انطبع فيها نفس الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت، فألف الأنس الأعلى، وذاق اللذة القصوى، وأخذ عن نفسه من هواها أولى، وفاضت عليه السكينة، وحقت به الطمأنينة. وتطلع إلى العالم الأدنى اطلاع راحم لأهله، مستوهن لحيله، مستخف لثقله، مستحسن به لعقله، مستضل لطرقه؛ وتذكر نفسه وهي بها لهجة، وببهجتها بهجة، فتعجب منها ومنهم تعجبهم منه، وقد ودعها، وكان معها كأن ليس معها. وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة، وأمثل السكنات الصيام، وأنفع البر الصدقة، وأزكى العمل الاحتمال، وأبطل السعي المراءاة. ولن تخلص النفس عن الدرن ما التفتت إلى قيل وقال، ومناقشة وجدال، وانفعلت بحال من الأحوال. وخير العمل ما صدر عن خالص نية؛ وخير النية ما ينفرج عن جناب علم؛ والحكمة أم الفضائل، ومعرفة الله أول الأوائل ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) ثم يقبل على هذه النفس المؤمنة بكمالها الذاتي فيحرسها عن التلطخ بما يشينها من الهيئات الانقيادية للنفوس الموادية التي إذا بقيت في النفس المزينة، كان حالها عند الانفصال كحالها عند الاتصال؛ اذ جوهرها غير مشاوب، ولا مخالط، وإنما يدنسها هيأة الانقياد لتلك الصواحب؛ بل يفيدها هيئات الاستيلاء والاستعلاء