للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان عبل البدن باعتدال، عظيم الصدر والرأس، كث اللحية. ومات وهو في سن الكهولة، أشمط مغير اللحية. وكان كثيرًا ما يذكر الله تعالى ويستغفره، ويسأله الرحمة والقبول والتجاوز عن زلله ويقول: إنني حصلت من العلوم ما يمكن تحصيله بحسب الطاقة البشرية، وما بقيت أؤثر إلا لقاء الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم.

قال: وخلف فخر الدين ولدين ذكرين أكبرهما يلقب بضياء الدين، وله اشتغال ونظر في العلوم، والآخر وهو الصغير لقبه شمس الدين وله فطرة فائقة وذكاء حاذق، وكان كثيرًا ما يصفه الإمام فخر الدين بالذكاء، ويقول: إن عاش هذا فإنه يكون أعلم مني، وكانت النجابة تتبين فيه من الصغر. ولما توفي الإمام فخر الدين بقي أولاده مقيمين في هراة، ولقب ولده الصغير بعد ذلك فخر الدين لقب والده، وكان الوزير علاء الملك العلوي متقلدًا الوزارة للسلطان خوارزمشاه، وكان علاء الملك عالمًا فاضلًا متقنًا لعلوم الأدب، ويشعر بالعربية وبالفارسية. وكان قد تزوج بابنة الشيخ فخر الدين، ولما جرى أن جنكلي خان ملك التتر قهر خوارزمشاه وكسره، وقتل أكثر عسكره، وبعد خوارزم شاه توجه علاء الملك قاصدًا إلى جنكز خان ومعتصمًا به فلما وصل إليه أكرمه وجعله من جملة خواصه عندما استولى التتر على بلاد العجم وخربوا قلاعها ومدنها وكانوا يقتلون في كل مدينة جميع من بها، ولا يبقوا أحدًا بها، تقدم علاء الملك إلى جنكز خان، وقد توجهت فرقة من عساكره إلى مدينة هراة ليخربوها، ويقتلوا من بها، فسأله أن يعطيه أمانًا لأولاد الشيخ فخر الدين ابن خطيب الري، وأن يجيبوهم مكرمين إليه، فوهب له ذلك، وأعطاهم أمانًا. ولما ذهب أصحابه إلى هراة، وشارفوا أخذها، نادوا فيها بأن لأولاد فخر الدين بن الخطيب الأمان، فلينعزلوا ناحية في مكان، ويكون هذا الأمان. وكان في هراة دار الشيخ فخر الدين هي دار السلطنة، كان خوارزمشاه قد أعطاها له وهي أعظم دار تكون وأنهاها وأكبرها وأبهاها زخرفة واحتفالًا. فلما بلغ أولاد فخر الدين ذلك، أقاموا بها مأمونين، والتحق بهم خلق كثير من أهاليهم وأقربائهم وأعيان الدولة وكبراء البلد، وجماعة كثيرة من الفقهاء وغيرهم ظنًا أن يكونوا في أمان لاتصالهم لأولاد فخر الدين، ولكونهم خصيصين بهم وفي دارهم، وكانوا خلقًا عظيمًا. فلما دخل التتر إلى البلاد وقتلوا من وجدوا بها وانتهوا إلى الدار نادوا بأولاد فخر الدين أن يرونهم، فلما شاهدوهم أخذوهم، وهم ضياء الدين وشمس الدين وأختاهما. ثم سارعوا بسائر من كان في الدار فقتلوهم عن آخرهم بالسيف. وتوجهوا بأولاد الشيخ فخر الدين من هراة إلى سمرقند، لأن ملك التتر جنكز خان في ذلك الوقت بها وعنده علاء الملك، قال: ولست أعلم ما تم لهم بعد ذلك.

<<  <  ج: ص:  >  >>