قال: وكان أكثر مقام الشيخ ﵀ بالري، وتوجه أيضًا إلى بلد خوارزم ومرض بها وتوفي في عقابيله ببلدة هراة، وأملى في شدة مرضه وصية على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصفهاني، وذلك في يوم الأحد الحادي وعشرين من شهر المحرم سنة ست وستمائة. وامتد مرضه إلى أن توفي يوم العيد غرة شوال من السنة المذكورة، وانتقل إلى جوار ربه رحمه الله تعالى.
وهذه نسخة الوصية:
﷽
يقول العبد الراجي رحمة ربه الواثق بكرم، مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي وهو في آخر عمره وعهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس، ويتوجه إلى مولاه كل واثق: إني أحمد الله تعلى بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهدتهم بل أقول كل ذلك من نتائج الحدوث والإمكان. فأحمده بالمحامد التي تستحقها إلهيته، ويستوجبها لكمال ألوهيته، عرفتها أو لم أعرفها؛ لأنه لا مناسبة للتراب مع جلال رب الأرباب؛ وأصلي على الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، وجميع عباد الله الصالحين. ثم أقول بعد ذلك: اعلموا إخواني في الدين، وإخواني في طلب اليقين أن الناس يقولون إن الإنسان إذا مات انقطع تعلقه عن الخلق، وهذا العالم مخصوص بوجهين: الأول أنه إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سببًا لذلك، والدعاء له آثر عند الله. والثاني ما يتعلق بمصالح الأطفال والأولاد والمعارف وأداء المظالم والجنايات. أما الأول فاعلم أنني كنت رجلًا محبًا للعلوم فكنت أكتب في كل شيء شيئًا لا أقف على كميته وكيفيته سواء كان حقًا أو باطلًا أو غثًا أو سمينًا. إلا أن الذي نظرته في الكتب المعتبرة لي أن هذا العالم المحسوس تحت تدبير مدبر منزه عن مماثلة المتحيزات والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة. وقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن. إنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات. وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك الأودية العميقة، والمناهج الخفية فلهذا أقول:
كلما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجود وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية والتدبير والفعالية، فذاك الذي أقول به وألقى الله تعالى به. وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض، فكل ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق