يتولى ذلك بنفسه، ويحمل الحجارة على عاتقه، ويتأسى به جميع الفقراء والأغنياء، والأقوياء والضعفاء، حتى العماد الكاتب والقاضي الفاضل؛ ويركب لذلك قبل طلوع الشمس إلى وقت الظهر، فيأتي داره، فيمد السماط فيأكل ويستريح. ويركب العصر ويرجع في المشاعل، ويصرف أكثره في ما يعمل نهارًا. فكتب لي صلاح الدين بثلاثين دينارًا في كل شهر على ديوان الجامع بدمشق وأطلق لي أولاده رواتب حتى تقرر لي في كل شهر مائة دينار.
ورجعت إلى دمشق، وأكببت على الاشتغال وإقراء الناس بالجامع. وكلما أمعنت في كتب القدماء ازددت فيها رغبة، وفي كتب ابن سيناء زهادة. واطلعت على بطلان الكيمياء، وعرفت حقيقة الحال في وضعها، ومن وضعها، وكذب بها، وما كان قصده في ذلك. وخلصت من خلالين عظيمين موبقين. وتضاعف شكري لله تعالى على ذلك، فإن أكثر الناس إنما هلكوا بكتب ابن سينا وبالكيمياء.
ثم إن صلاح الدين دخل دمشق، وخرج يودع الحجاج، ثم رجع فحم، فقصده من لا خبرة عنده فخارت القوى، ومات قبل الرابع عشر، ووجد الناس عليه شبيهًا بما يجدونه على الأنبياء. وما رأيت ملكًا حزن الناس لموته سواه؛ لأنه كان محبوبًا يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر. ثم تفرق أولاده وأصحابه أيادي سبأ، ومزقوا في البلاد كل ممزق، وأكثرهم توجه إلى مصر لخصبها وسعة صدر ملكها.
أقمت بدمشق وملكها الملك الأفضل وهو أكبر الأولاد في السن إلى أن جاء الملك العزيز بعساكر مصر يحاصر أخاه بدمشق، فلم ينل منه بغية. ثم تأخر إلى مرج الصفر لقولنج عرض له فخرجت إليه بعد خلاصه منه، فأذن لي في الرحيل معه، وأجرى علي [من] بيت المال كفايتي وزيادة.
وأقمت مع الشيخ أبي القاسم يلازمني صباحًا ومساءً إلى أن قضى نحبه. ولما اشتد مرضه، وكان ذات الجنب عن نزلة من رأسه وأشرت عليه بدواء فأنشد:
وكان سيرتي في هذه المدة، أنني أقرئ الناس في الجامع الأزهر إلى نحو الساعة الرابعة. وسط النهار يأتي من يقرأ الطب وغيره، وآخر النهار أرجع إلى الجامع، فيقرأ قوم آخرون. وفي الليل أشتغل مع نفسي. ولم أزل على ذلك إلى أن توفي الملك العزيز، وكان شابًا كريمًا شجاعًا، كثير الحياء لا يحسن قول لا. وكان مع حداثة سنه