للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وشرة شبابه كامل العفة عن الأموال والفرج.

أقول: ثم إن الشيخ موفق الدين أقام بالقاهرة بعد ذلك مدة، وله الراتب والجرايات من أولاد الملك الناصر صلاح الدين، وأتى إلى مصر ذلك الغلاء العظيم والموت الذي لم يشاهد مثله. وألف الشيخ موفق الدين في ذلك كتابًا ذكر فيه أشياء شاهدها أو سمعها ممن عاينها تذهل العقل، وسمى ذلك الكتاب كله «كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر».

ثم لما ملك السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب الديار المصرية وأكثر الشام والشرق، وتفرقت أولاد أخيه الملك الناصر صلاح الدين، وانتزع ملكهم توجه الشيخ موفق الدين إلى القدس، وأقام به مدة. وكان يتردد إلى الجامع الأقصى ويشتغل الناس عليه بكثير من العلوم، وصنف هنالك كتبًا كثيرة. ثم إنه توجه إلى دمشق ونزل بالمدرسة العزيزية، وذلك في سنة أربع وستمائة، وشرع في التدريس والاشتغال، وكان يأتيه خلق كثير يشتغلون عليه ويقرأون أصنافًا من العلوم. وتميز في صناعة الطب بدمشق، وصنف في هذا الفن كتبًا كثيرة وعرف به. وأما قبل ذلك فإنما كانت شهرته بعلم النحو، وأقام بدمشق مدة وانتفع به الناس. ثم إنه سافر إلى حلب، وقصد بلاد الروم، وأقام بها سنين كثيرة، وكان في خدمة الملك علاء الدين داود بن بهرام صاحب أرزنجان. وكان مكينًا عنده، عظيم المنزلة، وله منه الجامكية الوافرة، والصلات المتواترة، وصنف باسمه عدة كتب. وكان هذا الملك عالي الهمة، كثير الحياء، كريم النفس. وقد اشتغل بشيء من العلوم. ولم يزل في خدمته إلى أن استولى على ملكه صاحب ارزن الروم، وهو السلطان كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان، فقبض على صاحب أرزنجان ولم يظهر له خبر.

قال الشيخ موفق الدين عبد اللطيف: ولما كان في سابع عشر ذي الحجة من سنة خمس وعشرين وستمائة، توجهت إلى أرزن الروم، وفي حادي عشر صفر من سنة ست وعشرين وستمائة رجعت إلى أرزنجان من أرزن الروم، وفي نصف ربيع الأول توجهت إلى كماخ، وفي جمادى الأولى توجهت منها إلى دير زكي، وفي رجب توجهت منها إلى ملطية، وفي آخر رمضان توجهت منها إلى حلب.

أقول: وأقام الشيخ موفق الدين بحلب والناس يشتغلون عليه، وكثرت تصانيفه. وكان له من شهاب الدين طغريل الخادم أتابك العسكر بحلب جاري حسن، وهو متخلي لتدريس صناعة الطب وغيرها، ويتردد إلى الجامع يسمع الحديث ويقرئ العربية. وكان دائم الاشتغال، ملازمًا للكتابة والتصنيف. ولما أقام بحلب قصدت أن

<<  <  ج: ص:  >  >>