أتوجه إليه واجتمع به فلم يتفق ذلك، وكانت كتبه أبدًا تصل إلينا ومراسلاته، وبعث إليَّ بأشياء من تصانيفه بخطه، وهذا نسخة كتاب كتبته إليه لما كان بمدينة حلب:«المملوك يواصل بدعائه وثنائه، وشكره وانتمائه إلى عبودية المجلس السامي المولوي، السيدي السندي، الأجلي الكبيري، العالمي الفاضلي، موفق الدين سيد العلماء في الغائبين والحاضرين، جامع العلوم المتفرقة في العالمين، ولي أمير المؤمنين. وأوضح الله به سبل الهدى والهداية، وأنار ببقائه طرق الدراية، وحقق بحقائق ألفاظه صحيح الولاية. ولا زالت سعادته دائمة البقاء، وسيادته سامية الارتقاء، وتصانيفه في الآفاق قدوة العلماء، وعمدة سائر الأدباء والحكماء المملوك يجدد الخدمة، ويهدي من السلام أطيبه، ومن الشكر والثناء أعذبه، وينهي ما يكابده من أليم التطلع إلى مشاهدة أنوار شمسه المنيرة، وما يعانيه من الارتياح إلى ملاحظة شريف حضرته الأثيرة، وما تزايد من القلق، وتعاظم عند سماعه قرب المزار من الأرق:[من الوافر]
وأَبْرَحُ ما يكونُ الشوقُ يَومًا … إذا دَنَتِ الديار من الديار
ولولا أمل قفول الركاب العالي، ووصول الجناب الموفقي الجلالي، لسارع المملوك إلى الوصول، ولبادر المبادرة بالمثول، ولجاء إلى شريف خدمته وفاز بالنظر إلى بهي طلعته. فيا سعادة من فاز بالنظر إليه، ويا بشرى من مثل بين يديه، ويا هناء من حظي بوجه إقباله عليه، ومن ورد بحار فضله روي من نميرها، واستضاء بشمس علمه، فسرى في ضياء منيرها، نسأل الله تعالى تقريب الاجتماع، وتحصيل الجمع بين مسرتي الأبصار والأسماع بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
ومن مراسلات الشيخ موفق الدين عبد اللطيف أنه بعث إلى أبي في أول كتاب، وهو يقول فيه عنّي: ولد الولد أعز من الولد. وهذا موفق الدين ولد ولدي وأعز الناس عندي، وما زالت النجابة تتبين لي فيه في الصغر. ووصف واثنى كثيرًا.
وقال فيه: «لو أمكنني أن آتي إليه بالقصد ليشتغل علي لفعلت».
وبالجملة فإنه كان قد عزم أن يأتي دمشق ويقيم بها، ثم خطر له أنه كان يحج قبل ذلك، ويجعل طريقه على بغداد. وأن يُقدِّم بها للخليفة المستنصر بالله أشياء من تصانيفه. ولما وصل إلى بغداد مرض في أثناء ذلك.
وتوفي ﵀ يوم الأحد ثاني عشر المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة، ودفن بالوردية عند أبيه، وذلك بعد أن خرج عن بغداد، وبقي غائبًا عنها خمسًا وأربعين عامًا.
ثم إن الله تعالى ساقه إليها وأماته بها.
ومن كلام موفق الدين عبد اللطيف، مما نقلته من خطه قال:
«ينبغي أن تحاسب نفسك كل ليلة إذا أويت إلى فراشك، وتنظر ما اكتسبت في