للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الله، فاطلب مكانًا لا يراك فيه. واعلم أن الناس عيون الله على العبد يريهم خيره وإن أخفاه، وشره وإن ستره فباطنه مكشوف الله، والله يكشفه لعباده. فعليك أن تجعل باطنك خيرًا من ظاهرك، وسرك أصح من علانيتك. ولا تتألم إذا أعرضت عنك الدنيا فلو عرضت لك لشغلتك عن كسب الفضائل. وقلما يتعلق في العلم ذو الثروة، إلا أن يكون شريف الهمة جدًا، وأن يثري بعد تحصيل العلم. وإني لا أقول: إن الدنيا تعرض عن طالب العلم بل هو الذي يعرض عنها؛ لأنَّ همته مصروفة إلى العلم فلا يبقى له التفات إلى الدنيا، والدنيا إنما تحصل بحرص وفكر في وجودها، فإذا غفل عن أسبابها، لم تأته وأيضًا فإن طالب العلم تشرف نفسه عن الصنائع الرذلة، والمكاسب الدنية، وعن أصناف [التجارات]، وعن التذلل لأرباب الدنيا والوقوف على أحوالهم.

ولبعض إخواننا بيت شعر: [من الكامل]

مَنْ جَدَّ في طَلَبِ العُلوم فَإِنَّهُ … شَرَفُ العُلوم دَنَاءَةُ التحصيل

وجميع طرق مكاسب الدنيا تحتاج إلى فراغ لها وحذق فيها، وصرف الزمان إليها. والمشتغل بالعلم لا يسعه شيء من ذلك، وإنما ينتظر أن تأتيه الدنيا بلا سبب، وتطلبه من غير أن يطلبها طلب مثلها، وهذا ظلم منه وعدوان. ولكن إذا تمكن الرجل في العلم وشهر به خطب من كل وجه وعرضت عليه المناصب، وجاءته الدنيا صاغرة، وأخذها وماء وجهه موفور، وعرضه ودينه مصون. واعلم أن للدين عقبة وعرفًا ينادي على صاحبه، ونورًا وضياء يشرق عليه ويدل عليه، كتاجر المسك لا يخفى مكانه، ولا تجهل صناعته. وكمن يمشي بمشعل في ليل مدلهم. والعالم مع هذا محبوب أينما كان، وكيفما كان لا يجد إلا من يميل إليه، ويؤثر قربه ويأنس به، ويرتاح بمداناته. واعلم أن العلوم تغور، ثم تفور في زمان، وتغور في زمان بمنزلة النبات وعيون المياه، وتنتقل من قوم إلى قوم ومن صقع إلى صقع».

وقال: «وإياك والهذر، والكلام فيما لا يعني؛ وإياك والسكوت في محل الحاجة، ورجوع النوبة إليك إما لاستخراج حق، أو اجتلاب مودة، أو تنبيه على فضيلة. وإياك والضحك مع كلامك، وكبر الكلام، وتنبيره بل اجمع كلامك سردًا بسكون ووقار، بحيث يستشعر منك أن وراءه أكثر منه، وأنه عن خميرة سابقة، ونظر متقدم».

وقال: «إياك والغلطة في الخطاب، والجفاء في المناظرة. فإن ذلك يذهب ببهجة الكلام، ويسقط فائدته، ويعدم حلاوته، ويجلب الضغائن، ويمحق المودات، ويصير القائل مستثقلًا، سكوته أشهى إلى السامع من كلامه، ويثير النفوس على معاندته، ويبسط الألسن بمخاشنته وإذهاب حرمته».

وقال: «لا تسترفع بحيث تستقل ولا تتنازل بحيث تستخس وتستحقر».

ومن دعائه قال: «اللهم أعذنا من شموس الطبيعة، وجموح النفس

<<  <  ج: ص:  >  >>