أحسن المواقع، وجَلّ في صدره، وعَظُم في عينه، وعرف محله، وتحقق مكانته في بلاده، وأنه مع ذلك لم يزد إلا حيث استعلت كلمة الإسلام، وكانت مَباعِث الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم.
ثم لما سعت نمال النميمة في القاضي جلال الدين وتحتّم عزله، وكاد يُفضى به الأمر إلى ما أعاذ الله منه نواب شريعته، وعلماء دينه الذي ارتضى، قام الشيخ في أمره حتى ولي قضاء الشام على ما تقدم ذكره في ترجمته. ولما طلب السلطان أعيان الفقهاء للارتياد بعد جلال الدين لم يفصل رأيًا حتى حضر الشيخ، وأخذ رأيه وكان هو المعظم في ذلك المجلس، والمقدم عند السلطان على ذلك الجمع الجَمّ ثم إن السلطان أمسك ابن صورة وكان على نظر الأهراء السلطانية، وكان الشيخ مُزَوَّجًا بابنته، وكان قد اتهم بأخذ مال جليل للسلطان، وقد أمسكه السلطان، وشدد عليه في الطلب، فأتى الشيخ بنفسه إلى قوصون بسببه فاعتذر إليه وقال: هذه ساعة غضب السلطان ما أقدر أُكلمه فيها، فقال له الشيخ: أنا أتحدث مع السلطان ثم أتاه وطلب الإذن عليه، فأذن له فدخل، فلما رآه وقف له وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقال له: في خير ما جاء الشيخ إلا في حاجة، فقال له: نعم. قال: ما هي؟ قال: ابن صورة، قال: خذه والله ما أقدر أردك، ولولاك لكان له حال آخر، فخرج الشيخ فأخذه وانصرف.
قلت: وهو اليوم في مصر لإقراء أنواع العلوم الشرعية والعقلية وعلم المعاني والبيان، والنحو والعربية والإفتاء وإفادة الطلبة، والأذن لنبهاء الفقهاء بالإفتاء، وإنشاء أهل العلم والتحصيل حتى كثر عدد العلماء، واخضر به قلم الإفتاء، ولولاه لجف بموت من مات من العلماء؛ لأنه أذن لجماعة بمصر والشام وحلب، وتضرم به وقود الأذهان والتهب، وهو ممن قرأت عليه أصول الفقه وعلم المعاني والبيان، وممن أذن لي وأحسن وجاد بما أمكن.
ولما رحل صاحبنا الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين أبو عبد الله محمد الشبلي الحنفي إلى الديار المصرية، كتب إليه بسببه كتابًا نسخته:
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، ومنهم واحد الدهر وكفى، سيدنا ومولانا ومبصرنا بمصالح آخرتنا وأولانا، ومتحفنا بما يقصر منه عن شكرنا أولانا، السيد العالم الرباني، المكمل لنقائص الصور والمعاني، المسلك على الطريقة، والمملك لأزمة الحقيقة، قطب الأولياء، وارث الأنبياء، الإمام المجتهد المطلق، والبحر المزيد المطبق الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والساعي ببلغ من مصالح الامة في أدنى يوم ما يعجز [عنه] في سنة، الحجة الواضحة، والمحجة