للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اللائحة، آخر المجتهدين، شمس الدنيا والدين، مُعلِّم المتكلمين، إمام المتأخرين والمتقدمين [البسيط].

سَلْ عنه وانطقْ به وانظر إليهِ تَجِدْ … ملْءَ المسامع والأفواه والمُقَلِ

لا زالت البصائر به مُنوَّرة والحدائق بسحبه منورة، والحقائق بعلمه مصورة، والشرائع بذبه عن حوزتها مسوّرة، والبحار الزواخر في مغيض صدره مغورة، وشمس السماء بضياء شمسه مكورة، وأرض القدماء لدى رياضه اليانعة مبوّرة، ومنابت الخط إذا نظرت إلى ميامن قلمه تشاءمت بكعاب رماحه المدورة، ودول الأيام تسعد بخيالات أيامه المطورة، ولا برحت السيوف تعنو لهممه، والسيوف تعزو النفع إلى كرمه، ولا فتى فتي الدهر وشيخ أبنائه، ولا انفك أنف كل معاند راغمًا بسار أنبائه، ولا كن مكان فوق فرق الفرقد إلا دون أدنى بنائه حتى يلتحق بالزمرة السعداء، ويلقى الله ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ (١).

خدم بها المملوك على قصوره وخضوع أبياته التي كان يتطاول بها في العلياء إلى شوامخ قصوره، مذكرًا بعبودية قديمة لا يزال لها في كل حين بارقة على أطلاله، وقائلة في ظلاله، وحائمة على زلاله، ومتشوقة في آفاق الأقمار إلى مطلع هلاله، وملتفة إلى ما يغض الأبصار من بديع جلاله مع وثوقه بأنه إن أغب بتذكاره أو غاب، وسكت سعيه أو هدر يطلب رغاب لا يلوى لحظه من سيده مطال مطالب، ولا يغير عوائد تعهده، وراب مارب، ولا يبرح له ذاكر لا ينساه، ومؤانس له، والدهر قليل المواساة إلا صفوة إخوان بهم يُبل الرمق وقليل ما هم، ويقل القلق وهو كثير لولاهم، ومنهم السيد الأخ العزيز، الشيخ الجليل، الإمام العالم الفاضل الفقيه، المحدث المفنن، مجموع الفضائل، فلان الماثل على حضرته المشرفة بها، والخائض إليها ظلم الليالي، لا يبالي بجنح غيهبها، وهو على ما هو عليه من التحلي بالوفاء في الزمان الغادر والإنصاف بالصفاء في وقت يبدو فيه الكدر، وأوله ما يبدو من الشفق المحمر في لج الصباح الزاخر من ذوي الفضل المتعدد، والعلم المتجدد، والذهن الساطع، والرأي الصائب القاطع، واليد التي لم تقتصر به في التصنيف، ولم تعذر بسببه فيها تهب المسامع التشنيف، هذا إلى ذهن شفت سرائره، وعرفت أمائره، وتقى صلحت مضغة قلبه لتصلح سائره. وقد أم الآن الديار المصرية المحروسة التي هي الآن فلك شمسه، وحضرة قدسه، وموضع ثمار العلماء من غرسه، وقد حمل ظمأ إلى


(١) سورة النساء: الآية ٦٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>