للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بحره، وشق ظلمه إلى فجره، وجاب الفيافي في طلب العلم لديه، واشتمل ذيول الفجاج لحصول الاشتمال عليه، وله أسوة بالعلماء الذين امتدت شمسه النيرة نجومهم، وقدحت مشكاته المضيئة فهومهم، وأمطرت سحبه الروية علومهم، وأطلق أذنه الشريف قلم فتاويهم، وشرف قدره المنيف همم معاليهم، ورعى إحسانه المطيف ذمم قصدهم، يقتحمون مناحل أيامهم، وجحافل لياليهم، وهو إن لم يكن أظهر منهم استحقاقًا، وأكثر لإحراز الفوائد استراقًا فما هو بدون جماعتهم ولا بأضعفهم طاقة عن جهة استطاعتهم والمملوك ممن يثني بين يدي مولانا عليه باستحقاقه، ويصفه بما لا يقدر أحد فيه على شقاقه، وسيظهر له ما يزكي شهادة المملوك في الثناء على فضله والشكر له، وإن لم يكن المملوك من رجال هذا المقام ولا من أهله، وإن لم يكن: [من الطويل]

فقف وقفةً قُدَّامَهُ تَتَعَلَّمُ

وفي هذا كفاية ومقنع، وغاية وممتع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وكنت كتبت على يده نسخة إذن لي بالإفتاء، وهي:

الحمد لله الذي رفع أقدار العلماء، ونقع بورد الشرائع غلل الظماء، ورفع بصباح الحق المنير دجى الظلماء، ونصب أعلام الأئمة ليهتدى بهم كنجوم السماء، نحمده على نعمه التي زينت بمجالس العلماء المعابد، وبينت فضل العلم إذ كان العالم الواحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تهتز بها الأقلام وتعتز ألوية الأئمة الأعلام، وتبتز بأيدي حماتها حملة العلم ضوال الإسلام.

ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي هدى به من الأضاليل، وحمى من الأباطيل، وفضله على الأنبياء، وجعل علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أئمة الهدى وأزمة الندى، وتتمة كل خير يبتدا، صلاةً متصلةً لا تنتهي إلى مدى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

وبعد، فلما كان مراد العلم أخصب ما انتجع، وزمان الطلب أحق ما يبكى على فائته لو ارتجع، وهو الذي تشد إليه الرحال وتُجدَّ إليه الرجال، وتمتطى إليه الهمم، ويخاض الليل، وقتير الصباح ما دَبَّ في سواد اللمم، وتركب إليه الرياح، وتتخطى إليه الرماح، ولم يزل أهل الطلب تفارق فيه الكرى، وتُشَمِّرُ الأهداب للسرى وتنهض، وقد

<<  <  ج: ص:  >  >>