للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أقعد الحرمان أكثر الورى، وتجول في طلبه الآفاق، وتجوب البلاد والنجوم في اللحاق، وتفترق الدجى والقفر وهذا البحر، وهذا الرقراق، وتتفاوت في هذا ومثله رتب الطلب، وتتباين قصب العلم والطرب، ولأهل الحديث الشريف النبوي زاده الله شرفًا في هذا الوسع مجال، وأنجع ركائب تأتي عليها رجال عجال، ويزداد في توسيع ذيل الارتحال وتوسيع أردية الأصل قبل حط الرحال من تفقه في الدين وتنبه، وما له خدين واشتغل بمذهب أوّل الأئمة الإمام أبي حنيفة حتى ود شقيق الشفق لو نسب إلى نعمانه، ورفيق أوّل السلف لو تأخر إلى زمانه، وظهر من فضائله ما وضح وضوح النهار، وأظهر فضوح البحر وفي قلبه النار، وجدل الأقران لما ناظر، وعلل السبب في رقة النسيم بلطائفه لما حاضر، وتفسح في هذا المذهب المذهب وأذكى ضرام فهمه فيه، فكاد يتلهب من دَلَّهُ علمه على أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وسبب السفور لجلاء كل مظلم إذا كان العلم هو الذي يتماثل في وجوب طلبه المسلمون، ويتفاضل في علو رتبه من قرأ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وفي الحديث «العلماء ورثة الأنبياء» وقد جاء «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». وقال بعض السلف لرجل قال له: إلى متى يحسن بي التعلم، قال: ما حسنت بك الحياة. وطالب العلم نهم لا يشبع، ومغتنم لا يقنع، وإناء لا يمتلئ، ومجتهد لا يأتلي، فلما أخذ عن علماء بلده، ونقع بماء منهله الغدير، ولم يغترف غرفة بيده، لم يجد ذلك، وإن كان البحر الزاخر ناقعًا لأوامه، ولا ذلك الخصب الممتد، وإن أمري نافعًا لسوامه، ورأى أن تلك الرحاب الفساح في الطلب لا تسعه، وأن تلك المدد الطوال التي قضاها في التحصيل لا تقنعه، فأم مصر حرسها الله تعالى حيث هي المصر الجامع، والأفق التي تُزينه من علمائه النجوم الطوالع، وأتى لا يريد إلا العلم ولقاء أهله، والزيادة منه لو وجد مزيدًا من فضله، فلم يدع غمامًا يستسقى، ولا إمامًا عن مثله يُتلقّى، ولا من يمتاح له من قليب، ولا من يرتاح إليه على بعد، فكيف والمزار قريب حتى كادت ركائبه لا تنهض بما أوسقت، وسحائبه لا تبيض بما سقت، وكان فلان هو الذي استفاد وأفاد، وانتقى واستزاد، وضاهى في طلب العلم سرى الغمام، وباهي البدور الكوامل، وزاد في التمام الذي اقتحم الدجى لا ترهبه الأسنة، ولافح الرياح لا تزاحمه الأعنة، وفهم التنزيل، فسكنت نفسه المطمئنة، وعلم الحديث فسلك به طرقًا إلى العلم ليسلك الله له به طريقًا إلى الجنة طالما رفعت أعلام


(١) سورة الزمر: الآية ٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>