الدين بجداله الذي يمنع، وخضعت رؤوس الخصوم بجلاده الذي لا يقنع، ووضعت الملائكة أجنحتها له لأنه طالب علم رضي بما يصنع، وهو ممن حصل من كل علم غاية أو طرفًا، وحلَّ كل علًا وتبوأ غُرفًا، وأجاد في علم الفقه وتوجيهه، وعلم تشعب طرقه ووجوهه وعرف فيه وجوه الاختلاف، ووجوب الائتلاف، ووجود المقتضي للترجيح، والمرتضى فيما يفتى به على الصحيح، ومن أين استنبطت الأدلة، وعرف المعلول والعلة، وتردد إليَّ، وقرأ عليَّ، وبحث مع أفاضل العلماء لدي، وناظر بحضوري أماثل الفقهاء فملأ أذني، وتكرر حضوره عندي، وظهر لي من مدده السحابي أن محلته لا تكدى، ورأيته أهلًا للإفتاء والتدريس والتصدير وولاية المدارس وغير ذلك مما ينافس فيه من هذه الرتب العلية المنافس، وقد استخرت الله وأذنت له أن يطلق قلمه بالافتاء ويلحق بشأو الكهول في سن الفتاء، وأن يرشد الضلال، ويرشف من قلمه الزلال، ويتصدر لإشغال الطلبة، ونشر الفقه على ما يوافق في النص والقياس مذهبه واقفًا فيما يفتى به عند الصحيح الراجح والحق الواضح، والذي عليه نص مذهب إمامه أبي حنيفة ﵁، وأصحابه مما عليه الفتوى، وعلى ما ترشد إليه ما أوصيه به من التقوى، متيقنًا أنه أطال الله عمره يموت ويبقى ما كتبت يداه، وأن الفتيا إذا خرجت من يده ربما وقعت في أيدي عداه، ثم إن الله سيسأله عما كتب فليعد قبل أن يجيب على الفتوى الجواب، وليعد النظر مما يكتب به فمن أعاد النظر لم يعدم الصواب، والله تعالى يمد له أجلًا يسرى به في ليل الشبيبة حتى يرى صباح المشيب، ومهلًا لا تجف لأنديته ضرع ندى ولا يخمد لهيب، وأن يبقيه خلفًا في الإسلام وما ذلك من عوائد كرم الله بعجيب. والمسؤول من الله أن يوافق ولاة الأمور أعزهم الله بعز طاعته، وصرف كُلًا منهم في الخير وسع استطاعته لإعلاء قدره، واستجلاء بدره، واستملاء ما يكنه من العلم الجم في صدره، وأن يكثروا به في هذا الزمان عدد الفضل القليل، ويأثروا منه الأثر الجميل، ويقدموا منه مستحقًا لو أجالوا الفكر، لم يجدوا مثله في هذا الجيل؛ ليصلوا به حبلًا لولا مثل هذا في كل أوان لانقرض، ويقيموا بنيانًا لولا شبه هذا في كل مكان، لانتقض وينظروا لآخر الأمة في مد مدد العلم الذي لولا بقية العلماء، وهذا منهم، لم يخض.
فلما وصلت إليه، تلقاها بالقبول وكتبها بخطه إذنًا له بالفتوى، وكتب إلي جوابه، فأجبته بما صورته: