يزين الدنيا أبدًا، ومعال أثرت بها مآثرهم، ومعان أثرها أكابرهم فورثها أصاغرهم. حُجَّاب الخلفاء الأغراء الأكارم، وحفظة أبواب كالأنهار وراء بحور خضارم. وجدّه الربيع خدم المنصور، فادعى إليه ولاءا، وارتقى به إلى أن عقدت له ذوائب الكواكب لواءًا، وعبد الله هذا من سرّ صميمهم، وأرج شميمهم، إلا أنه بالغناء وضع قدر حسبه، وصنع ما لا يليق بنسبه، تعلم الغناء سرًّا وتقدّم قشرًا، فأطرب كل مخزونة، وأنفق من ذخائر العاشقين سقيمها، وحَنَّ العود في يده حنين الحمام عليه أيام تأود.
ذكر أبو الفرج، فقال يحيى بن حازم: حدثني عبد الله بن العباس الربيعي، قال: دخل محمد بن عبد الملك الزيات على الواثق وأنا بين يديه أغني، وقد استعادني صوتًا، فأعدته، فاستحسنه، فقال له ابن الزيات: هذا والله يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه، واستئمانك له، واصطناعك إياه، فقال: أجل؛ فلما كان الغد جئت محمد بن عبد الملك الزيات شاكرًا لحسن محضره، فقلت له: في أضعاف كلامي: وإفراط الوزير - أعزه الله - في وصفي وتقريظي بكل شيء حتى وصفني بجودة الشعر، وليس ذلك عندي، وإنما أعبث بالبيتين والثلاثة، ولو كان عندي شيء يعد من ذلك لصغر عن أن يصف الوزير، ومحله في هذا الباب المحل الرفيع المشهور. فقال لي: والله إنك عرفت مقدار قولك حين تقول (١): [من مجزوء الخفيف]
يا شادنًا رَامُ إِذْ مَرَّ … في الشَّعانِيْنِ قَتْلِي
يَقُولُ لي كيفَ أَصْبَحْـ … ـتَ، كيف يُصبحُ مِثْلي؟
لما قلت هذا القول والله لو لم يكن لك شعر في عمرك كله إلا قولك: كيف أصبحت؟، كيف يصبح مثلي؟ لكنت شاعرًا.
قال إسحاق: لقيت عبد الله بن العباس يومًا في الطريق، فقلت له: ما كان خبرك أمس، فقال: أصبحت فقلت: على ماذا؟ ومع من؟ فقال: مع خادم صالح بن عجيف وأنت به عارف وبخبري معه ومحبتي له فاصطحبا على صفة بنت الخس (٢) لما
= فضحك حتى استلقى واستملح قولي، فوهب لي ثوب قصب أصفر، وثلاثة دنانير جددًا فما أنسى فرحي بذلك وقيامي به إلى أمي، وأنا أعدوا إليها، وأضحك فرحًا به. ترجمته في: الأغاني ١٩/ ٢٣٤ - ٢٧٥. (١) لعبد الله بن العباس في الأغاني ١٩/ ٢٣٥. (٢) هي هند بنت الخس بن حابس الإيادية: شاعرة فصيحة جاهلية من أهل الدهاء والنكراء واللسن واللقن والجواب العجيب والكلام الصحيح والأمثال السائرة والمخارج العجيبة، كانت ترد سوق عكاظ. =