حتى خرجت من يميني، وصرت بعد ذلك أغني لإخواني جميعًا حتى اشتهر أمري، وبلغ المعتصم خبري، فتخلّصت منه، ثم غضب علي الواثق لشيء أنكره، وولي الخلافة وهو ساخط علي، فكتبت إليه (١): [من الكامل]
أَدْعُو إلهي أن أراك خليفة … بين المقام ومسجد الخيف
فدعاني ورضي عني.
قال سليمان بن أبي شيخ: دخلتُ على العباس بن الفضل بن الربيع ذات يوم، وهو مختلط مغتاظ وابنه عبد الله عنده، فقلت له: ما لك أمتع الله بك، فقال: لا يفلح والله، ابني هذا أبدًا، فظننته قد جنى جناية، فجعلت أعتذر إليه، فقال: ذنبه أعظم من ذلك وأشنع، قلت: وما ذنبه؟، قال: جاءني بعض غلماني فحدثني أنه رآه يشرب بقُطرُ بل، الداذي بغير غناء فهذا فعل من يفلح؟ فقلت له وأنا أضحك: سهلت علي القصة. فقال: لا تقل ذاك؛ فإن هذا من ضعة النفس، وسقوط الهمة. فكنت إذا رأيت عبد الله بعد ذلك في جملة المغنين، وشاهدت تبذله في هذا الحال، وانخفاضه عن مرتبة أهله، ذكرت قول أبيه.
قال: قالت بذل الكبيرة لعبد الله بن العباس: قد بلغني أنك قد عشقت جارية يقال لها عساليج، فاعرضها علي، فأما أن عذرتك في حبها، أو عذلتك في أمرها، فوجه بها إليها، وقال لبذل: هذه سيدتي، فانظري واسمعي، ومري بما شئت، أطعك، فأقبلت عليه عساليج، فقالت: يا عبد الله، أتشاور في، والله ما شاورتُ فيك لما صاحبتك، فنعرت بذلك وقالت: أحسنت والله يا صبية، ولو لم تحسني شيئًا، ولا كانت فيك خصلة تجمل، لو حبَّ أن تعشقي لهذه الكلمة، ثم قالت لعبد الله: ما صنعت أحتفظ بصاحبتك.
قال عبد الله بن العباس الربيعي: لقيني سوار بن عبد الله القاضي (٣)،
(١) لعبد الله بن العباس في الأغاني ١٩/ ٢٤٠ (٢) لعبد الله بن العباس في الأغاني ١٩/ ٢٧٣. (٣) سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله بن قدامة العنبري: زمن بني العنبر من تميم، أبو عبد الله، قاضي له شعر رقيق وعلم بالفقه والحديث من أهل البصرة، سكن بغداد وولي بها قضاء الرصافة، وكف بصره في أواخر أعوامه، وتوفي ببغداد في سنة ٢٤٥ هـ/ ٨٦٠ م. ترجمته في: تاريخ بغداد/ ٩/ ٢١٠، الأعلام ٣/ ١٤٥.