المؤمنين ذلك، فتنكر لي ولامني وفضحني، وفضحت آباءك في قبورهم، وسقطت إلى الأراذل من المغيض، فبكيت غمًا بما جرى مني، وعلمت أنه قد صدق، فرحمني وضمني إليه وقال: قد صارت الآن في أبيك مصيبتان أحدهما به، وقد مضى وفات، والأخرى فيك، وهي موصولة بحياتي، ومصيبة باقية العار علي وعلى أهلي بعدي.
وبكي، وقال: يعزّ عليّ يا بني أن أراك على غير ما أحبّ، وليس لي في هذا الأمر حيلة؛ لأنه قد خرج عن يدي. ثم قال: جئني بعود حتى أسمعك، وانظر كيف أنت، فإن كنت تصلح للخدمة في هذه الفضيحة، وإلا جئته بك مفردًا، وعرفته بخبرك، واستعفيته لك. فأتيته بعود، وغنيت غناءً قديمًا، فقال: بل عن صوتيك اللذين صنعتهما، فغنيته إياهما، فاستحسنهما، وبكى، ثم قال: بطلت والله يا بني، وخاب أملي فيك، فواخزنا عليك وعلى أبيك. فقلت: ليتني مت يا سيدي من قبل ما أنكرته، ولخرست وما لي حيلة، ولكن وحياتك يا سيدي وإلا فعليّ عهد الله وميثاقه والعتق والطلاق، وكل يمين يحلف بها حالف لازمة لي، لا أغنية أبدًا إلا خليفة، أو ولي عهد.
فقال لي: قد أحسنت فيما قد تنبهت عليه من هذا، ثم ركب وأمرني، فأحضرت، ووقفت بين يدي الرشيد وأنا أرعد، فاستدناني حتى صرت أقرب إليه، ومازحني، وأقبل على وسكن مني، وأمر جدي بالانصراف، وأومأ إلى الجماعة فحدثوني، وسقوني أقداحًا، وغنّى المغنون جميعًا، وأومأ إلى إسحاق أن أغني إذا بلغت النوبة إلي؛ ليكون ذلك أملح؛ فلما بلغت النوبة إليَّ أخذت عودًا ممن كان إلى جانبي، وقمت قائمًا واستأذنت في الغناء، فضحك الرشيد، وقال: غنّ جالسًا، فجلستُ، فغنيت لحني الأول، فطرب واستعادني ثلاث مرات، وشرب عليه ثلاثة أقداح وأنصاف، فكانت هذه حاله، فدعا مسرور فقال: احمل إليه الساعة عشرة آلاف درهم، وثلاثين ثوبًا من فاخر ثيابي، وعتيدةً مملوءة طيبًا، فحمل ذلك أجمع معي.
قال عبد الله: ولم أزل كلما أراد ولي عهد أن يعلم من الخليفة بعد الخليفة الوالي هو أم غيره عادني، وأمرني أن أغنّي فأعرفه يميني، ولا أعرف أنه غيره حتى كان آخرهم الواثق، فدعاني في أيام المعتصم، وسأله أن يأذن لي في الغناء، فأذن لي، ثم دعاني المعتصم من الغد، فقال: ما صار غناؤك إلا سببًا لإظهار سري وأسرار الخلفاء قبلي قد هممت أن آمر بضرب عنقك، لا يبلغني أنك امتنعت من الغناء عند أحد، فوالله لئن بلغني، لأقتلنّك، وأعتق من كنت تملكه يوم خلفت من المماليك، وأطلق من كان عندك يومئذ من الحرائر. وأستبدل بهنَّ، وعلى العوض من ذلك وأرحنا من يمينك هذه المشؤومة، فقمت من عنده وأنا لا أعقل، فاستقبلت أبا يوسف القاضي