للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أعلم وما تختاره والله ما أحب منعك من شيء، وإني لأكره أن تشتهر به، فتسقط، ويفتضح أبوك وجدك. فقلت: لا تخافي من ذلك، فإنما أخذ منه مقدار ما ألهو به، ولازمت الجارية لمحبتي إياها بعلة الغناء حتى تقدمت سائرهم حذقًا وصنعة، وأقررن لي بذلك، وبلغت ما كنت أريده منه، ومن أمر الجارية، وصرت ألازم مجلس جدي، وكان يسر بذلك، ويظنّه تقربًا إليه، وإنما كان وكدي فيه أخذ الغناء، فلم يكن يمر لإسحاق، ولا لابن جامع، ولا للزبير بن دحمان، ولا لغيرهم صوت إلا أخذته، ثم أحسست من نفسي قوة في الصنعة، فصنعت أول صوت صنعته في شعر العرجي (١): [من الطويل]

أماطتْ كِسَاءَ الخَرِّ عَنْ حُرِّ وجهها … وأَبْدَتْ على الخَدَّينِ بُردًا مُهَلَّلا

ثم صنعت ت (٢): [من المنسرح]

أقْفَرَ مِنْ بَعْدِ أهلِهِ سَرفٌ … فالمُنحنى فالعقيق فالجرف

وعرضتهما على الجارية التي كنت أهواها، وسألتها عما عندها فيهما، فقالت:

لا يجوز أن يكون في الصنعة شيء فوق هذا، وكان جواري الحارث بن بسخنر وجواري ابنه محمد يدخلن إلى دارنا، ويطرحن على جواري عمّي، وجواري جدي، ويأخذ أيضًا ما ليس عندهن من غناء دارنا، فسمعتني ألقي هذين الصوتين على الجارية، فأخذته مني وسألن الجارية عنهما، فأخبرتهن أنهما من صنعتي، ثم اشتهرا حتى غُني الرشيد بهما يومًا، فاستظرفهما، وقال لإسحاق: تعرفهما؟، قال: لا وإنهما لمن حسن الصنعة ومتقنها، ثم سأل الجارية عنها فتوقفت خوفًا من عمتي، وحذرًا أن يبلغ جدي أنها ذكرتني، فانتهرها الرشيد، فأخبرته القصة، فوجه من وقته فدعا جدي، فأحضره، فقال: فضل أن يكون لك ابن يغني، ثم يبلغ في الغناء المبلغ الذي يمكنه أن يضع صوتين يستحسنهما إسحاق، وسائر المغنين، ويتداولهما جواري القيان، ولا تعلمني بذلك كأنك رفعت قدره عن خدمتي في هذا الشأن. فقال له جدي: وحق ولائك يا أمير المؤمنين ونعمتك، وإلا فأنا نفي منها، بريء من تبعتك، وعلى العهد والميثاق والعتق، والطلاق إن كنت علمت بشيء من هذا من ولدي قط إلا منك الساعة. فجاء جدي، وهو يكاد أن ينشق غيظًا، فدعاني، فخرجت إليه، وقال: يا كلب بلغني من أمرك ومقدارك أن تحسن أن تتعلم الغناء بغير أمري، ثم لم تقنع بهذا حتى ألقيت صنعتك على الجواري في داري، ثم تجاوز هن إلى جواري الحارث بن بسخنر، فاشتهرت وبلغ أمير


(١) دوانه ٢٨٥، الأغاني ١٩/ ٢٣٧.
(٢) الأغاني ١٩/ ٢٣٧ - ٢٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>