قال الأصمعي: دخلت أنا وإسحاق الموصلي يومًا على الرشيد، فرأيته لقس النفس، فأنشده إسحاق (١): [من الطويل]
وآمرة بالبخل قيل لها اقصري … فَذَلكَ شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خُلان الكريم وَلا أَرى … بخيلًا لهُ حتَّى الممات خليل
وإني رأيتُ البُخْلَ يُزرِي بأَهلِهِ … فأكرمتُ نفسي أنْ يقال بَخِيلُ
ومن خير حالات الفتى قد علمته … إذا نال خيرًا أن يكون نبيل
وكيف أخافُ الفقر أو أُحرمُ الغِنَى … ورأي أمير المؤمنين جميل
فقال الرشيد: لا كيف إن شاء الله. ثم قال: لله درّ أبيات تأتينا بها ما أشدّ أصولها!، وأحسن فصولها!، وأقل فضولها؛ وأمر له بخمسين ألف درهم، فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة؟!
فضحك الرشيد، وقال: اجعلوها لهذا القول [مئة ألف درهم]. قال الأصمعي؛ فقلت يومئذ: إنَّ إسحاق أحذق بصيد الدراهم.
قال إسحاق: جاءني الزبير بن دحمان مسلمًا، فاحتبسته، فقال لي: قد أمرني الفضل بن الربيع بالمصير إليه، فقلت له (٢): [من الطويل]
أقم يا أبا العوام ويحك نشرب … ونَلْه مع اللاهين يومًا ونلعب
إذا ما رأيت اليوم قدْبانَ خَيْرُهُ … فَخُذْهُ بِسُكْرٍ واتركِ الفَضْلَ يَصْحَبُ
فأقام عندي وشربنا يومنا، ثم صار إلى الفضل بن الربيع، فسأله عن سبب تأخره عنه، فجاذبه الحديث، وأنشده الشعر، فعتب وحوّل وجهه عني، وأمر عونًا حاجبه أن لا يدخلني إليه، ولا يستأذن لي عليه، ولا يوصل لي رقعة إليه فقلت (٣): [من الطويل]
حرامٌ عليَّ الكأس ما دُمْتَ غَضْبانا … وما لمْ يَعُدْ عَنِّي رِضاكَ كما كانا
فأَحْسِنُ فإنّي قد أسأتُ ولمْ تَزَلْ … تعودني عند الإساءة إحسانا
قال: فأنشدته إياها، فضحك، ورضي عني وعاد لي، وإلى ما كان عليه.
قال ابن المكي: كان المغنون يجتمعون مع إسحاق وكلهم أحسن صوتًا منه، ولم يكن فيه عيب إلا صوته، فيطمعون فيه، فلم يزل بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم، ويبذهم جميعًا، ويفضلهم، ويتقدم عليهم. قالوا: هو أول من أحدث المجنب؛ ليوافق
(١) دوانه ١٦٣، الأغاني ٥/ ٣٣١.
(٢) دوانه ٩٧، الأغاني ١٨/ ١٣١.
(٣) لإسحاق الموصلي في ديوانه ٢٠٣، الأغاني ٥/ ٣٣٤.