للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صوته، ويشاكله، فجاء معه عجبًا من العجب، وكان في حلقه نبوة من الوتر.

قال إسحاق: كنت يومًا عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب؛ فلما جلسوا للشرب جعل الغلمان يسقون من حضر وجاء غلام قبيح الوجه إلي بقدح فيه نبيذ، فلم آخذه، ورآني إسحاق، فقال: لم لا تشرب؟، فقلت له (١): [من البسيط]

أَصْبَحَ نَديمُكَ أَقْداحًا تُسَلْسِلُها … مِنَ الشَّمُولِ وأَتْبِعُها بِأَقْدَاحِ

مِنْ كَفَّ رِيمٍ مُليحِ الدَّلِّ رِيقَتُهُ … بَعْدَ الهُجُوعِ كَمِسْكِ أَوْ كَتُفَّاحِ

لا أَشْرَبُ الرَّاحَ إلاَّ مَنْ يَدَيْ رَشَأَ … تَقْبِيلُ رَاحته أشهى من الرَّاحِ

فضحك، وقال: صدقت والله، ودعا بوصيفة تامة الحسن في زي غلام عليها أقبية ومنطقة، فقال لها: تولي سقي أبي محمد، فما زالت تسقيني حتى سكرت، ثم أمر بتوجيهها، وكل مالها في دارها إلي فحملت معي.

قال ابن المكي: تذاكرنا يومًا عنده صنعة إسحاق، وقد كان بالأمس عند المأمون، فغناه إسحاق لحنًا صنعه في [شعر] ابن ياسين (٢): [من مجزوء الخفيف]

الطُّلُولُ الدَّوارِسُ … فَارَقَتْهَا الأَوَانِسُ

أَوْحَشَتْ بَعْدَ أَهْلِهَا … فَهِيَ قَفْرٌ بَسَابِسُ

قال، فقال لي أبي: لو لم يكن من بدائع إسحاق غير هذا لكفاه!: «الطلول الدوارس» ..

كلمتان قد غنى فتهيأ استهلالًا، وبسطًا، وصاح، وسجح، ورجح النغمة، واستوفى ذلك كله في كلمتين، وأتى بالباقي مثله. فمن شاء، فليفعل مثل هذا، أو فليفارقه، ثم قال إسحاق: والله، والله ما في زماننا فوق ابن سريج والغريض ومعبد، ولو عاشوا حتى يروه، لعرفوا فضله، واعترفوا له به.

قال صالح بن الرشيد: كنا يومًا عند المأمون ومعه جماعة من المغنين فيهم إسحاق وعلوية ومخارق وعمرو ابن بانة، فغنّى مخارق صوتًا من صنعة إسحاق وهو (٣): [من الطويل]

أعاذِلُ لا آلُوكِ إلاَّ خَلِيقَتي … فلا تجعليني في لسانك مبردا

ذريني أَكُنْ للمال رَبًَّا ولا يكن … لي المالُ غِبًَّا تحمدي غِبَّةُ غَدًا


(١) ديوانه ١٠٣، الأغاني ٥/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٢) لابن ياسين في الأغاني ٥/ ٣٥٢، ٤٣٩، ٤٤١.
(٣) الأغاني ٥/ ٣٥٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>