فقال له المأمون لمن هذا اللحن؟، قال: لهذا الهربد الجالس يعني إسحاق، فقال المأمون لمخارق: قم فاقعد بين يدي، وأعد علي الصوت، فقام: فجلس بين يديه، فغناه، فأجاد وشرب المأمون عليه رطلًا، ثم التفت إلى إسحاق، فقال: غنّ هذا الصوت، فغنّاه، فلم يستحسنه كما سمعه من مخارق، ثم دار الدور إلى علوية فغنّى صوتًا من صنعة إسحاق أيضًا وهو (١): [من الوافر]
أَرَأَيْتَ القوم نارك لم نغمض بواقصةٍ … ومَشْرِقُنا زَرُودُ
فلمْ أَرَ مِثْلَ مَوقِدِها ولكن … لأية نظرة زَهَرَ الوقود
فبت بليلة لا نوم فيها أكابدها … وأصحابي رُقُودُ
كَأَنَّ نُجُومَها رُبِطَتْ بصَخْرٍ … وأمراس تدور وتستزيد
فقال المأمون: لمن هذا الصوت؟، فقال: لهذا الجالس، وأشار إلى إسحاق، فقال لعلوية: أعده، فأعاده، وشرب عليه رطلًا، وقال لإسحاق: غنّه، فغناه، فلم يطرب عليه طربه العلوية، فالتفت إسحاق وقال: أيها الأمير لولا أنه مجلس سرور، وليس بمجلس حجاج وجدل، لأعلمته أنه طرب على خطأ، وأن الذي استحسنه إنما هو وتزايد منهما يفسد قسمة اللحن وتجزئته، وكان الصواب ما غنيته لا ما زاداه، ثم أقبل عليهما وقال: يا مخنثين قد علمت أنكما لم تريدا بما فعلتما مدحى، ولا رفعي، وأنا على مكافأتكما قادر، فضحك المأمون، وقال له: ما كان ما رأيته من طربي إلا استحسانًا لأصواتهما، لا تقديمًا لهما، ولا جهلًا بفضلك.
قال إسحاق: كانت أعرابية تقدم من البادية فأفضل عليها، وكانت فصيحة، فقالت لي: والذي تعلم مغربي كل ناطق، لكأنك في علمك ولدت فينا ونشأت معنا، ولقد أريتني نجدًا بفصاحتك، وأحللتني الربيع بسماحتك، فلا اطرد لي قول إلا شكرتك، ولا نسمت لي ريح إلا ذكرتك.
قال الهشامي: كان أهلنا يعترون إسحاق فيما يقوله في نسبة الغناء واختياره، بأن يجلسوا كاتبين فهمين خلف الستارة يكتبان ما يقوله ويضبطانه ثم يتركونه مدة حتى ينسى ما جرى، ثم يعيدون تلك المسألة عليه، فلا يزيد فيها، ولا ينقص منها حرفًا كأنه يقرأه من دفتر، فعلموا حينئذ أنه لا يقول في شيء يسأل عنه إلا الحق.