للانصراف، وقدمت دوابنا؛ فلما ركب إبراهيم، التفت إليّ، وقال: يا محمد بن الحارث زعمت أني لا أحسن وجاريتي شيئًا، وقد رأيت ثمرة الإحسان.
قال: دخل الحسن بن سهل يومًا على المأمون وهو يشرب، فقال: بحياتي عليك يا محمد إلا شربت معي قدحًا، وصب له من نبيذ قدحًا، فأخذه بيده، وقال له: من تحب أن يغنيك، فأومًا إلى إبراهيم بن المهدي فقال له المأمون: غن يا عم (١): [من البسيط]
تَسْمَعُ للحُلِيِّ وَسْوَاسًا إِذا انْصَرَفَتْ
تعرض به لما كان لحقه من السوداء والاختلاط، فغضب المأمون حتى ظن إبراهيم أنه سيوقع به، ثم قال له: أبيت إلا كفرًا، يا أكفر خلق الله تعالى النعمة. والله ما حقن دمك غيره، ولقد أردت قتلك فقال لي: إن عفوت عنه، فعلت فعلًا لم يسبقك إليه أحد فعفوت والله عنك لقوله. أفحقه أن تُعرض به ولا تدع كيدك وذحلك، وأنفت من إيمائه إليك بالغناء؟ فوثب إبراهيم قائمًا، وقال: يا أمير المؤمنين لم أذهب حيث ظننت ولست بعائد، فأعرض عنه.
قال حمدون: كنت أحبّ أن أجمع بين إبراهيم بن المهدي وأحمد بن يوسف الكاتب لما كنت أراه من تقدم أحمد على الناس جميعًا، بحفظه وبلاغته، وأدبه، في كل محضر ومجلس. فدخلت يومًا على إبراهيم بن المهدي وعنده أحمد بن يوسف وأبو العباس الخزري، فجعل إبراهيم يحدثنا فيضيف شيئًا إلى شيء، مرّة يذكّر ومرّة من مرة يؤنث، ومر يعظنا، ومرة ينشدنا، ومرة يضحكنا، وأحمد بن يوسف ساكت؛ فلما طال بنا المجلس أردت أن أخاطبه، فسبقني إليه أبو العالية فقال (٢): [من السريع]
ما لَكَ لا تَنْبَحُ يا كَلْبَ الرُّوْمِ … قد كنتَ هَرَّارًا فما لك اليوم
فتبسم إبراهيم، وقال: لو رأيتني في يد جعفر بن يحيى، لرحمتني منه كما رحمت أحمد مني.
قال إبراهيم بن المهدي؛ قلت للأمين يومًا: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك، فأعظمت ذلك، فقال: يا عم لا تعظمه، فإنَّ لي عمرًا لا يزيد، ولا ينقص؛ فحياتي مع الأحبة أطيب من تجرعي فقدهم، وليس يضرني عيش من عاش منهم.
قال إبراهيم بن المهدي غنيت يومًا الأمين (٣): [من مجزوء الكامل]
(١) صدر بيت للأعشى في ديوانه ١٠٥، والأغاني ١٠/ ١٦٤ وعجزه: «كما استعان بريح عشرق زجل» (٢) لأبي العالية الخزري في الأغاني ١٠/ ١٤٨. (٣) الأغاني ١٠/ ١٥٨.