قال: فاستحسن اللحن، وسألني عن صانعه، فأعلمته أن ابن جامع حدثني عن سباط أنه لابن عائشة، فلم يزل يشرب عليه، ولا يتجاوزه، ثم انصرفنا ليلتنا تلك ووافاني رسوله حتى انتبهت وأنا أستاك، فقالي لي: يقول لك: بحياتي يا عم، لا تشتغل بعد الصلاة بشيء غير الركوب، فصليت، وتناولت طعامًا خفيفًا، وركبت إليه؛ فلما رآني من بعيد صاح بي: بحياتي يا عم: «خطارة بزمامها»؛ فلما دخلت المجلس، ابتدأت فغنيته إياه، فأمر بإخراج صبية كان يتحظاها، فأخرجت إليه صبية كأنها لؤلؤة في يدها عود، فقال: بحياتي يا عم ألقه عليها، فأعادته مرارًا، وهو يشرب حتى ظننت أنها قد أخذته أمرتها أن تغنيه فإذا هي قد استوى لها إلا في موضع كان فيه، وكان صعبًا جدًا، فجهدت جهدي أن يقع لها طلبًا لشربه، فلم يقع لها بتةً، ورأى جهدي في أمرها، وتعذره عليها، فأقبل عليها، وقد سكر، وقال: نفيت من الرشيد، وكل امرأة لي حرة، وعلى عهد الله لئن لم تأخذيه في المرة لآمرن بإلقائك في دجلة. قال: ودجلة تطفح بينها وبينها ذراعان، وذلك في الربيع، فتأملت القصة فإذا هو قد سكر، والجارية لا تقوله كما أقوله أبدًا، فقلت: هذه والله داهية، وتنغص عليه يومه، وأشرك في دمها، فعدلت عما كنت أغنيه عليه، وتركت ما كنت أقوله، وغنيته كما كانت هي تقوله وجعلت أردده حتى انقضت ثلاث مرات أعيده عليها كما كانت هي تقوله وأريته أني اجتهدت؛ فلما انقضت الثلاث مرات، قلت لها: هاتيه، فغنته على ما كان وقع لها، فقلت: أحسنت والله يا أمير المؤمنين، ورددته عليها ثلاث مرات، فطابت نفسه، وسكر، فأمر لي بثلاثين ألف درهم.
قال محمد بن الحارث بن بسخنر: غنّى إبراهيم بن المهدي يومًا بحضرة المأمون (١):
يا صاح ياذا الضامرِ العَنْسِ … والرَّحْل ذي الأنساع والجلس
أَمَّا النهار فأنت تقطعُهُ … رَكْضًا وتُصبحُ مِثْلَ ما تُمسي
قال فاستحسنه المأمون، وذهبت آخذه، ففطن بي إبراهيم، فجعل يزيد فيه مرة، وينقص أخرى بزوائده التي كان يعملها في الغناء. وعلمت ما يصنع، فتركته؛ فلما قام، قلت للمأمون: يا سيدي إن رأيت أن تأمر إبراهيم أن يلقي علي: