للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد سررنا. فقلت: أنا الآن أستودعكم الله، فقلن: وما السبب؟ فأخبرتهن بقصتي مع الرشيد، فضحكن وقلن: الآن طاب حبسك علينا، وعلينا إن أخرجت أسبوعًا، فقلت: هو والله القتل، فقلن: إلى لعنة الله فأقمت عندهن أسبوعًا لا أزول؛ فلما كان بعد أسبوع، ودعنني وقلن: إن سلمك الله، فأنت بعد ثلاثة أيام عندنا. قلت: نعم. فأجلسنني في الزنبيل، وسرحت فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد، فإذا النداء قد اتسع ببغداد في طلبي، وأن من أحضرني فقد سوّغ بي، وأقطع مالي. فاستأذنت، فبادر الخادم حتى أدخلني إلى الرشيد، فلما رآني شتمني، وقال: السيف والنطع. إيه يا إبراهيم تهاونت بأمري، وتشاغلت بالعوام عما أمرتك به، وجلست مع أشباهك من السفهاء حتى أفسدت علي لذتي، فقلت: يا أمير المؤمنين أنا بين يديك، وما أمرت غير فائت، ولي حديث عجيب ما سمع بمثله قط، وهو الذي قطعني عنك ضرورة لا اختيارًا، فاسمعه، فإن كان عذرًا، فاقبله وإلا فأنت أعلم. قال: هاته، فليس ينجيك، فحدثته، فوجم ساعة، ثم قال: إنَّ هذا لعجب. فتحضرني معك هذا الموضع؟ قلت: نعم، وأجلسك معهن إن شئت قبلي حتى تحضر عندهن، وإن شئت على موعد، قال: بل على موعد. قلت: أفعل. قال: انظر. قلت: ذاك حاصل لك متى شئت، فعدل عن رأيه في، وأجلسني، وشرب، وطرب؛ فلما أصبحنا أمرني بالانصراف، وأن أجيئه من عندهن، فمضيت إليهنَّ في وقت الموعد؛ فلما وافيت الموضع إذا الزنبيل معلق، فجلست فيه، ومدت الجواري، وصعدت، فلما رأينني تباشرن بي، وحمد الله على سلامتي، وأقمت ليلتي؛ فلما أردت الانصراف، قلت لهن: إنّ لي أخًا هو عديل نفسي عندي، وقد أحبّ معاشرتكن، ووعدته بذلك، فقلن: إن كنت ترضاه، فمرحبًا. فواعدتهن ليلة غد، وانصرفت، وأتيت الرشيد، فأخبرته؛ فلما كان الوقت خرج معي متخفيًا حتى أتينا الموضع، فصعدت، وصعد بعدي، ونزلنا جميعًا، وقد كان الله وفقني بأن قلت لهن: إذا جاء صديقي، فاستترن عني وعنه، ولا يسمع لكن نطقة، وليكن ما تخترنه من الغناء، أو تقلنه من قول مراسلة، فلم يتعدين ذلك، وأقمن على أتم ستر وخفر وشربنا شربًا كثيرًا، وقد كان أمرني أن لا أخاطبه بإمرة المؤمنين؛ فلما أخذ مني النبيذ، قلت - سهوًا -: يا أمير المؤمنين، فتبادرن من وراء الستارة حتى غابت عنا حركاتهن، فقال لي: يا إبراهيم قد أفلت من أمر عظيم، والله لو برزت لك واحدة منهن؛ لضربت رقبتك. قم بنا، فانصرفنا، فإذا هنَّ له، وقد كان غضب عليهن، فحبسهن في ذلك القصر، ثم ردد بخدم، فردهن إلى قصري، ووهب لي مائة ألف درهم، وكانت الهدايا والألطاف بعد ذلك تأتيني منهن.

<<  <  ج: ص:  >  >>