قال مخارق: كنا عند الرشيد بعض أيامنا، فغناه ابن جامع، ونحن يومئذ بالرقة (١): [من الخفيف]
هاج شوقًا فِرَاقُكَ الأحبابا … فَتَنَاسَيْتَ أن نسيت الربابا
حين صاح الغُراب بالبَينِ منهمْ … فَتَصَامَمْتَ أن سمعت الغُرابا
لوعلمنا أَنَّ الفِراقَ وشِيْك … ما انتهينا حتى نزور القبابا
أو علمنا حين استقلت نواهم … ما أقمنا حتَّى نَزُمَّ الركابا
قال: فاستحسنه الرشيد وطرب عليه، وأعجبه واستعاده مرارًا، وشرب عليه أرطالًا حتى سكر، وما سمع شيئًا غيره، ولا أعجبه، ولا أقبل على أحد، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار؛ فلما انصرفنا، قال لي: يا إبراهيم لا ترم منزلك حتى أصير إليك. فصرتُ إلى منزلي، فلم أغيّر ثيابي حتى أعلمني غلامي بموافاته، فلقيته في دهليزي، فدخل فجلس وأجلسني بين يديه، ثم قال لي: يا مخارق أنت نسيلة مني. إحساني إليك، وقبيحي عليك، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى، غلبنا على الرشيد، وقد صنعت صوتًا في طريقة صوته الذي غناه أحسن صنعة منه، وأشجى، وإنما نغلبه عند هذا الرجل بصوته، وإلا قطعن علي صوتي، وإذا أطربته، وغلبت عليه بما يأخذه مني قام ذلك مقام الظفر. وسيصبح أمير المؤمنين، ويدخل الحمام غدًا، ويحضر، فيدعو بالطعام، ويدعو بنا، ويأمر ابن جامع، فيرد الصوت الذي غناه، ويشرب عليه رطلًا، ويأمر له بجائزة، فإذا غنّى، فلا ينتظره أكثر من أن يرد ردته، حتى تغني ما أعلمك الساعة، فإنه يقبل عليك، ويصلك، ولست أبالي أن لا تصلني بعد أن يكون إقباله عليك. فقلت: السمع والطاعة، فألقى علي لحنه في أبيات لابن هرمة وهي (٢): [من المنسرح]
يا دار سُعْدَى بالجَزْعِ مِنْ ملل … حُيِّيْتِ مِنْ دِمْنَةٍ وَمِنْ طَلَلِ
إنِّي إذا ما البَخِيْلُ أمنها … بِانَتْ ضمورًا مِنِّي على وَجَلِ
لا أُمتع العود بالفصال ولا … أَبْتَاعُ إلا قريبة الأجل
وردّده حتى أخذته، وانصرف، ثم بكر عليَّ، فاستعاده مني حتى رضيته حتى ركبنا، وأدارسه حتى صار إلى الرشيد؛ فلما دخلنا فعل الرشيد جميع ما وصفه إبراهيم شيئًا شيئًا، وكان إبراهيم أعلم الناس به، ثم أمر ابن جامع فردد الصوت ودعا برطل،
(١) الأغاني ٥/ ٢٧٧. (٢) لابن هرمة في ديوانه ١٨٤ - ١٨٥، الأغاني ٥/ ٢٦٩.