إن كان للأدب نسيم يتضوع، وللذكاء نار تشرق وتلمع، فقد فعمنا على بعد الدار أرج أدبه، ومحا الليل عنا ذكاؤه بتلهبه، وخول الأسماع شنوفًا غير ذاهبة، وأطلع في سويداوات القلوب كواكب ليست بغاربة. وذلك أنا معشر أهل هذه البلدة وصف لنا شرف عظيم، وألقي إلينا كتاب كريم قراءته نسك، وختامه بل سائره مسك، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). أُجلَّ عن التقبيل فظلاله المقبلة، ونزه أن يبذل فنسخه المبتذلة، وأنه عندنا لكتاب عزيز. ولولا الإلاحة على ما ضمن من الملاحة، والخشية على دجى مداده من التوزع، ونهار معانيه من التشتت والتقطع، لعكفت عليه الأفواه باللثم، والموارن بالانتشاء والشم، حتى تصير سطوره لمى في الشفاه، وخيلانًا على مواضع السجود من الجباه.
منها:
موشحًا بكل شذرة أعذب من سلاف العنقود، وأحسن من الدينار المفقود، فجاء كلوائح البروق، أو يوح عند الشروق.
ولو أن شوقه إلى حضرته تمثل فمثل، وتجسم حتى يتوسم، لملأ ذات الطول والعرض، وشغل ما بين السماء والأرض، ولم يكتف حتى يكلف الخطوة، أن تسع صهوة، والراحة أن تكون مثل الساحة. وبلغ وليه السلام الذي لو مر بسلمة وارية لأغدقت، أو سلمة عارية لأورقت، فحمل فؤادي من الطرق على رُوقِ اليعفور، بل فوق جناح العصفور، فكأنما رفعني الفلك، أو ناجاني الملك.
منها:
وكدت لولا اشتمال المخاوف على هذه المحلة، واشتعال الضمائر فيها بقبس الغلة، أحسب سلامه السلام الذي ذكره البارئ جل اسمه في قوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٢). أفبلدتنا جنان، أو وضح لأهلها الغفران، أم نشروا بعد ما قبروا، أم جزوا الغرفة بما صبروا، فهم يُلَقَّون فيها تحية وسلاما. وإن نالوا بمنه أوصاف الأتقياء الأبرار، فقد أنزلت بهم خلة من خلال الأشقياء الكفار، وذلك أنهم بأسد البلاغة
= ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ١٥٥ والرجال ٥١ ولسان الميزان ٢/ ٣٠١، وشذرات ٣/ ٢١٠ وإرشاد الأريب. وخطط المقريزي. وفحول البلاغة ١٨٩. وفهرس المخطوطات المصورة ١/ ٤٢١ وإعتاب الكتاب ٢٠٦ وفيه أن أول هروبه، كان من مصر إلى مكة. الأعلام ٢/ ٢٤٥، معجم الشعراء للجبوري ٢/ ١٠٩ - ١١٠. (١) سورة المطففين: الآية ٢٦. (٢) سورة الحجر: الآية ٤٦.