صارت كلابًا تتعلّق في لساني، وأبصرته حافيًا عليه ثياب رثة إلى غاية، وسمعت قارئًا يقرأ من فوقه: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ (١) الآية، ثم انتبهت مرعوبًا.
وأما شعره فعقود مفصَّلة الجُمان، موصلة النداء إلى أغلى الأثمان. ومنه قوله: [من الوافر]
على أكبادها كلّ ابنِ مَوْتٍ … غَذَتْهُ دَمَ القراح رحى طَحُونُ
تخالُ بكوره إلفًا تلوى … بها في مَهْرِقَ البيداء نُونُ
منها:
وألبسهم ثياب المَكْرِ حَيْنُ … فمزَّقَها بهنّ باك حين
إذا ما الفعل عل تلاه حَذْفٌ … يتاح لمنتهاه أو سُكُونُ
ومنه قوله: [من الخفيف]
تحت ظلّ منَ المُنى أرَجُ النَّفْـ … حةِ تُضفِي عليك أمنا أمينا
تتثنى منَ الغصون قدودًا … وتميس القدود فيه غصونا
ولحون للطيرِ تحسب ما … تقف بالنحو عندها ملحونا
ومنه قوله: [من الكامل]
وكأنما نسج الحَيَا مِنْ نَوْرِهِ … حُلَلًا تفتق تارة وتخاط
نثرت به تنّيسُ نَظْمَ رُقُومِها … وحَنَتْ عليه طرازها دمياط
وقوله: [من الكامل]
ماضر من أمسى الفؤاد بأسره … في أسره لو مَنَّ بالإطلاق
ساق إذا اشتجر الكؤوس تراهُ … في سَلْبِ النفوس مشمرًا عن ساق
تكسو سوالفَهُ السُّلافةُ رَوْنَقًا … وتُعيرُه شفتاه طيب مذاق
منها:
صرعى تَضَرِّجُ بالدماء خدودهم … فكأنّما ذُبحوا من الآماق
أَكَلَتْهُمُ الفلوات حتى أقبلوا … يزجون أشباحًا على أرماق
وشجا الفراق مطيّهم فعيُونُها … تتلو حديث مَصَارع العُشّاقِ
ومنه قوله (٢): [من الكامل]
(١) سورة الزمر: الآية ١٦.
(٢) من قصيدة قوامها ١٨ بيتًا في شعره ١٥٢ - ١٥٣.