على تلك الأرض قوة عند غضبها لغضبه عليهم سبحانه، فظهرت تلك القوة من جوف الأرض إلى وجهها، فصيّرت كل شيء فيه مائية حجرًا صلدًا ليكون عبرة للحاضرين، وتذكرة للغائبين، وأثرًا لسخط الله وغضبه على العاصين.
وحكى الشيخ الرئيس: أنَّهُ كانَ على الجبل الذي بجاجرم فرأى جردقًا من الخبز أطرافها ناتئة ووسطها مقعر، كما يكون بجرادق الخبز، وعلى ظهرها خطوط كما يكون للخبز من آثار رشق التنور فبواسطة هذه العلامات يغلب على الظن ولا شك الناظر إليه إن كان خبزًا فمسخه الله حجرًا، فالجواهر المعدنية كثيرة لا يعرف منها إلا القليل، ولابد من إيراء ما وصلت القدرة الإنسانية إليه على قدر التحصيل، وما ذاك من عجائب صنع الله فيه إلا القليل.
فنقول: إنَّ الأحجار - كما قلنا - منها ما هو صلب لا يذوب بالنار ولا يعمل فيه الفؤوس كأصناف اليواقيت، ومنها ما هو تراب رخو يذوب في الماء كالأملاح والزاجات، ومنها ما هو نبات كالمرجان، ومنها ما يخرج من الحيوان كالدر واللآلئ، ومنها ما يتولد في الهواء كأحجار الصواعق، ومنها ما ينعقد في الأرض بواسطة الماء للعلل المذكورة أولًا، ومنها ما هو مصنوع كافليمتا الذهب والفضة والزنجفر والزنجار ومنها ما بينهما أُلْفَةٌ كالذهب والماس؛ فإنَّ الماس إذا قُرب من الذهب تشبث به حتى أنه يُقال:«إنّ الماس لا يوجد إلا في معادن الذهب». ومنهما ما بينهما مجاذبة شديدة حتى إن كل واحد منهما يجذب الآخر إليه كالعاشق والمعشوق كالحديد والمغناطيس فإن بين هذين المعدنين ميلًا شديدًا فإذا شم أحدهما رائحة الآخر سرى إليه وأمسكه إمساكًا شديدًا، ولم يفارقه إلا بجاذب يجذبه، ومنهما ما بينهما مخالفة كالسنبادج وسائر الأحجار؛ فإنّه يحكها ويجعلها ملساء وكالأشرب والماس؛ فإنَّ الماس يقهر سائر الأحجار والأشرب يقهره، ومنها ما فيه قوة منظفة كالنوشاذر؛ فإنَّه ينظف سائر الأحجار من الوسخ، وجميع ما قلناه ليس جامعًا لخواص الأحجار، ولكن أوردناه على سبيل التعجب والمثال ليكون لحكمة الله تعالى في إيجاده الوجود على سبيل الأنموذج وإلا فالأمر أعظم مما ذكر وإلا فما وصل الناس كلهم إلا قليل من كثير، وهذا حين تذكر الأحجار مرتبة على حروف المعجم على ما وصلت قدرتنا إليه.
٨ - إِثْمِدْ
قال أرسطو (١): حجرٌ له أصناف كثيرة؛ وأجود أصنافه الأصفهاني؛ وهو حجر