للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الكُتيبُ الأَحمرُ الذي عليهِ أراكَ يقطرُ دمًا؟ قال: كأنك تسألُني عن قبرِ هود ؟ قال له علي: نعم لله درُّكَ ما أخطأت! قال: إذا أُخبرك يا أبا الحسن: خرجت وأنا في عنفوان شبيبتي في أُغُيلمة من الحي نُريد أن نأتي قبره لبعدِ صوتهِ فينا وكثرة من يذكره، ومعنا شيخ كبير عالم بالمكان، فسرنا في وادي الأحقافِ أيامًا حتى انتهينا إلى الكثيب الأحمرِ فانتهى بنا ذلك الرجلُ إلى كهفٍ في جبلٍ فدخلناه فأمعنا طويلًا وجعلنا نجول في دهاس تسيخ الأرجلُ فيه إلى الركبِ حتى هالنا ذلك فانتهينا إلى حجرين أحدهما دون الآخر فيه خُلل، يدخلُ فيه النحيف متجانفًا، فدخلته فرأيت رجلًا على سرير، شديد الأُدمة، طويل الوجه، كُثَّ اللحية، قد يبس على سريره فإذا مسستُ جسده أصبتُه صلبًا لم يتغير، ورأيتُ عند رأسه كتابًا بالعبرانية: أنا هود آمنتُ بالله وشقيت بكفرها. وما كان لأمر الله - جل وعز - من مرد، فقال علي: هكذا سمعت من أبي القاسم .

وكانت عاد أصحاب أصنام ثلاثة يقال لها: صمود، وصدا، والحنا، ولم يزل بهم هود حتى يئس منهم. قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)(١)، فحبس الله القطر ثلاث سنين فأوفدوا وفدًا لهم ليستسقوا لهم بمكة وهم: قيل بن عمرو، ولقيم بن هزال، ومزيد بن سعد. وكان ممن آمن بهود - وهو يكتم أيمانه - ولقمان بن عاد، وحارثة بن الحنين فساروا في سبعين رجلًا؛ فلما قربوا من مكة نزلوا على معاوية بن بكر، وكانت عاد أخواله وأصهاره فأكرمهم وأقاموا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتا معاوية شهرًا كاملًا؛ فلما رأى معاوية مكثهم شق عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون، واستحيا أن يأمرهم بالخروج فظنوا أنه ضاق منهم لمقامهم عليه فأمر الجرادتين أن تغنياهم بأبيات قالها وهي: [من الوافر]

أَلا يَاقِيلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيِّنِمْ … لَعَلَّ اللهَ يُصْبِحُنَا غَمَاما

فَيَسْقِ أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عادًا … خُفُوتُ لَا يُبَيِّنُونَ الكَلَامَا

مِنَ الجَهْدِ الشَّدِيدِ وَلَيْسَ يَرْجُو … لَهُ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَلَا الغُلَامَا

وأَنتُمْ هَهُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ … نَهَارُكُمْ وَلَيْلُكُمْ التَّمَامَا

فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ … وَلَا بَلَغُوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلامَا

فأجمعوا على الاستسقاء، فقال لهم مزيد: إنكم والله لا تستسقون بدعائكم ولكنكم إن أطعتم نبيكم، سقيتم وأظهر إسلامه، فقال معاوية بن بكر حين سمع ذلك منه: [من الوافر]


(١) سورة هود: الآية ٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>