للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهؤلاء جعلوا قوة تعبدهم بأعمال القلوب من تصحيح المحبة للرب، والخوف والرجاء، والتوكل والإنابة، والتعظيم والحمد، ورأوا أن أيسر الواردات على قلوبهم من الله، أحب إليهم من كثيرًا من التطوعات البدنية، التي يغفل معها القلب.

فإذا حصل لأحدهم وارد أنس أو حب أو انكسار أو ذل لم يستبدل به شيئًا مما سواه البتة، إلا أن يجئ الأمر الواجب عليه من الفرائض، فيبادر إليه بذلك الوارد إن أمكنه، وإلا بادر إلى الأمر، ولو ذهب الوارد.

فإذا جاءت النوافل، فإن أمكن القيام إليها فذاك، وإلا نظر في الأرجح والأحب إلى الله، هل هو القيام إلى تلك النافلة، ولو ذهب وارده وتوجه، وحضور قلبه مع ربه، هل هو القيام إلى تلك النافلة، ولو ذهب وارده، كإغاثة الملهوف، وإرشاد الضال، وجبر المكسور، واستفادة إيمانه، وما نحو ذلك.

فها هنا ينبغي تقديم النافلة الراجحة، وما تقدمها لله تقربًا إليه، فإنه يرد عليه ما فات من وارده أقوى مما كان، وإذا كان الوارد أرجح من النافلة، فالحزم له الاستمرار في وارده حتى يتوارى عنه، فإنه يفوت، والنافلة لا تفوت.

وهذا موضع يحتاج إلى فضل فقه في الطريق، ومراتب الأعمال، وتقديم الأهم فالمهم، والأحسن على الحسن: قال النبي «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه (١).

وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)[الزمر: ٩].


(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٧١)، واللفظ له، ومسلم برقم: (١٠٣٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>