فإذا الرخاء مكان الشدة، واليسر مكان العسر، والعافية مكان الضر، والأمن مكان الخوف، وإذا هو متاع ورخاء، وكثرة وامتلاء، إنما هو في الحقيقة اختبارٌ وابتلاء، والابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، فإنه يذكر صاحبه بالله، فيتجه إليه، ويتضرع بين يديه؛ فيجد في رحابه فسحة وأنسًا، أما الابتلاء بالرخاء، فالذين يصبرون عليه قليلون، فالرخاء يُنسي، والمتاع يلهي، والثراء يطغي: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
والله ﷿ رءوف بالعباد، يبتليهم بما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فيبتلي بالشدة، ولكن الشدة يصبر عليها الكثير؛ لأنها تذكر الخلق بالله ﷿، أما الابتلاء بالرخاء فالذي يصبر عليه قليل؛ لأن الرخاء يُنسي، ويلهي ويطغي، فالثراء والغنى يولد حالة قلة المبالاة، وحالة الاستخفاف والاستهتار، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا من شيء يعملونه، ولا تخوفًا من أمر يصنعونه، خاصة حين يطول بأهل الثرى العهد في اليسار والنعمة: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [سبأ: ٣٥ - ٣٦].
فهم يتنعمون في يسر، ويسرفون في استهتار، ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان، وهم لا يتقون غضب الله، ولا لوم الناس، فكل شيء يصدر من أهل الغنى والثرى بلا تخوف ولا مبالاة ولا تحرج، وهم بفعلهم ذلك لا يفطنون لسنة الله في الكون، ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافًا بلا