للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)[الصافات: ١٠٢].

لقد تلقى الأمر لا في طاعة فحسب، ولكن في رضا كذلك ويقين، ثم هو الأدب مع الله بالاستعانة به على ضعفه، ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة، فلم يأخذها بطولة، ولم يأخذها شجاعة، إنما أرجع الفضل كله لله، إنه هو أعانه على ما يطلب منه، وصبره على ما يراد به، ثم يزيد البلاء بدفعه إلى التنفيذ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)[الصافات: ١٠٣].

ألا ما أعظم هذا الابتلاء، لقد كب إبراهيم ابنه إسماعيل على جبينه؛ ليذبحه، والغلام استسلم للذبح، فلا يتحرك اقتناعًا، وقد وصل الأمر إلى أن يكون عيانًا، لقد أسلم واستسلم لهذا الأمر العظيم، فهذا هو الإسلام في حقيقته، ثقة وطاعة للآمر، وطمأنينة ورضا بأمره، وتسليم وتنفيذ لرب العالمين.

حقًا إنه الإسلام والاستسلام المطلق لرب العالمين: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)[البقرة: ١٣١].

فهنا كان إبراهيم وإسماعيل عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قد أسلما ولم يبق إلا أن يذبَحْ إبراهيم ابنه إسماعيل، ويسيل دمه، وتزهق روحه، وهذا أمر لا يعني شيئاً في ميزان الله، بعدما وضع الأب والابن في هذا الميزان من روحهما، وعزمهما كل ما أراد الله منهما، من الإسلام والتسليم والاستسلام لله.

فالابتلاء قد تم، ولم يبق إلا الألم البدني، وإلا الدم المسفوح، والجسد الذبيح من الأب لابنه.

<<  <  ج: ص:  >  >>