والله ﷿ لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء، ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شيء، فلما علم الله من إبراهيم وإسماعيل صدقهما فاعتبرهما قد أديا، فأثمر الصدق والنجاة: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥].
فالله ﷿ لا يريد إلا الإسلام والاستسلام لله، بحيث لا يبقى في النفس ما تكنه عن الله، أو تعزه عن أمره، أو تحتفظ به دونه، ولو كان هو الابن، فلذة الكبد، ولو كانت هي النفس والحياة، فقد ضحى إبراهيم من قبل بنفسه، فاستسلم لربه، بإلقائه في النار، فضحى بالحياة فوراً فوهب الله له الحياة، وها هو يضحى بابنه فيحي الله الابن، ويخرج من نسله سيد الخلق محمدً ﷺ، ويجعل الأنبياء من ذرية إبراهيم ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾ [الحديد: ٢٦].
فلما استسلم إبراهيم وإسماعيل لذلك الأمر، ولم يبق إلا اللحم والدم، فهذا ينوب عنه ذبح آخر، ذبح من لحم ودم، ويفدي الله هذه النفس الزكية التي أسلمت وأدت، بذبح عظيم يُذبح بدل إسماعيل، وهذا جزاء المحسنين.
ومضت بذلك سنة النحر في عيد الأضحى؛ تذكيرًا بهذا الحادث العظيم الذي تجلت فيه حقيقة الإيمان، وجمال الطاعة، وجمال التسليم، وجمال الرحمة، وجمال البذل، وجمال التضحية، وليعرف العباد أن الله لا يريد أن يعذبهم بالبلاء، إنما يريد أن تأتيه نفوسهم طائعة، ملبية، وافية، مؤدية، مستسلمة، لا تقدم بين يديه، ولا تتأله عليه، بل تستسلم لأمره ﷻ.
فإذا علم الله ﷿ منها الصدق في هذا الأمر أعفاها من التضحيات والألآم، واحتسبها لها وفاءًا وأداءً، وقبلها منها، وفداها، وأكرمها، فهي تذكر بالخير